الشعر العربي وعلاقته بالفلاسفة الإغريق

منذ القدم لم تكن الآداب الإنسانية بمعزل عن التأثير والتأثر ببعضها البعض، حيث لا نجد أدبا أو فلسفة بمعزل عمّا سبقهما أو ما لحقهما، ويرى الكثيرون أن أبرز مثال على هذه العلاقة الوطيدة ما كان بين الشعر العربي والفلسفة الإغريقية.
السبت 2016/06/04
الكتاب يكشف استفادة الفلاسفة العرب القدماء من التراث اليوناني القديم

يحفر الباحث يوسف الإدريسي عميقا في البنية المعرفية العربية المتصلة بالشعر للكشف عن مكوناتها ومصادرها المعرفية الوافدة، فيبين في كتابه “التخييل والشعر- حفريات في الفلسفة العربية الإسلامية” استفادة الفلاسفة العرب القدماء من التراث اليوناني القديم عبر ترجمات تخص الصناعة الشعرية، وخاصة كتب أرسطو طاليس: “النفس”، و”الخطابة”، و”الشعر”.

كما يتطرق إلى كتاب أفلاطون “الجمهورية الفاضلة” وكتاب فلوطرخس “الآراء الطبيعية التي ترضي الفلاسفة”. فقد انصبت مقولات الإدريسي ومناقشاته في أغلبها على هذه الكتب، فأوضح تعامل الفلاسفة المسلمين معها عبر الترجمة، كاشفا حقائق تتعلق بتقارب الثقافتين العربية واليونانية، باعتبارهما إنسانيتين، وخاصة في ما يتعلق بالنظرة إلى النفس البشرية والقوى الإدراكية الثلاث التي تحدث عنها في كتابه.

يسمي الإدريسي عمله هذا “حفريات”، فيحشد لهذه العملية كل ما يعينه على استخراج أفكاره ومادته، رابطا بين النصوص والآراء، وتعدد المصادر المعرفية، مدركا لحقيقة الاختلاف بين الثقافتين ومكونات المجتمعين اليوناني والعربي، ولكنه في كل ذلك يبحث عن المشترك الإبداعي بين الثقافتين، مسوغا -وهو على حق في ذلك- لطبيعة الدراسة وأهميتها.

ويتجه البحث عبر فصوله الأربعة إلى الحفر في المصطلح الأساسي للشعر من وجهة نظره، وهو التخييل، وحضوره في المؤلفات اليونانية، ودلالته، ومن ثم خلق المصطلح في الفكر الفلسفي العربي، وجاءت الإضافات السياقية الثقافية التي أغنى بها المترجمون العرب النصوص الأصلية، بحكم طبيعة الثقافة العربية الإسلامية. وخلال رحلة البحث هذه يؤصّل الباحث هذا المصطلح وما يتصل به من مفاهيم ومصطلحات حتى استقرّ وأصبح “أداة إجرائية تختزل جملة من التصورات الرئيسية لنسق نظري معين وتحيل إليها”.

يولي الباحث أهمية خاصة لرصد المصطلحات وتطورها التاريخي، منطلقا من مفهوم المحاكاة الشائع عند أرسطو وأفلاطون، وكيف أثر هذا المصطلح في غيره من المصطلحات، وأيضا كيف انبثق عنه الكثير من المصطلحات الأخرى، وهنا يقدم الباحث اختلافا ضروريا ودالا يشير إلى طبيعة الشعر المبحوث عنه في نظرية المحاكاة اليونانية ومقابلتها في الفكر الفلسفي العربي والمتجه أصلا نحو البحث في الشعر وكيفية إنشائه وأهميته، فيرى الباحث أن نظرية المحاكاة في الفكر اليوناني كانت تتجه نحو الشعر القصصي والتمثيل على المسرح، وليس إلى الشعر الغنائي، وهذه النقطة محل اختلاف جوهري بين المفهوم اليوناني ورحلته إلى الثقافة العربية، خاصة أن الشعر العربي شعر غنائي، فنتيجة لذلك وعى المترجمون والفلاسفة على حدّ سواء هذا الاختلاف، فطوّعوا النظرية ونقلوها بما يتناسب والتراث الشعري العربي، ولذلك وجدت مصطلحات بديلة من مثل التشبيه والتغيير على سبيل المثال.

كما يقف الباحث مطولا عند مكونات الإدراك الثلاثة وعلاقتها بالإبداع الشعري، ليعود في الفصل الرابع إلى ربطها ربطا إجرائيا بالعملية الشعرية، ويبين من خلال النصوص مكونات التخييل الذي هو انفعال المتلقي بالكلام، بحيث ينساق وراء الكلام غير معني بصدقه أو بكذبه، فيبين مكونات التخييل الشعري والتي حصرها في اللحن والوزن والخرافة، ثم يأخذ في تفصيل ذلك لنرى تفاصيل الكلام الساحر (الخرافة) والمتوسل إليه بالاستعارة والكناية والمجاز، والذي يجب أن يتعاضد مع الفصاحة والجزالة، وحتى تكتمل الصورة لا بدّ من وزن، فلا يسمى الشعر شعرا دون وزن يضبطه فهو مكوّن أساسي في الشعرية العربية، غير ناسٍ أو متناسٍ أن الكلام قد يكون “قولا شعريا” وإن افتقر إلى الوزن تبعا لما يحمل من مكوّنات التخييل، أو التأثير الانفعالي في المتلقي.

ويقف المؤلف متأملا أهمية الموسيقى واللحن، وأهمية التغني بالشعر، تحقيقا للتخييل موردا البعض من الأدلة على أهمية ذلك في تعطيل قوة الإدراك العقلية لصالح قوة الوهم والخيال والتي هي من قوى النفس الفاعلة والمبنية عليها قوة التخييل والتأثير في المتلقي، التي قد تصل إلى حدّ تغيير المواقف، واستبدالها من النقيض إلى النقيض.

تتكامل في هذا الكتاب الأطراف الثلاثة لصناعة الشعر وهي الشاعر والاستعداد الفطري وملكاته وأدواته، والشعر نفسه وصناعته، ثم المتلقي الذي غدا معيار نجاح تقاس به شاعرية الشاعر وبراعته، والمناطق الشعورية والتفكيرية والروحية التي تتقاطع عندها هذه الأطراف الثلاثة.

17