الشعر العضوي

الأربعاء 2015/09/23

مهما جرّب الكاتب في طرائق الكتابة والتأليف، للوصول إلى أشكال جديدة، فإنه لن يكون كمن يحرث في الماء، فلا كتابة من دون قواعد، ولا عمل دون شكل، وإن حاول مؤلف العمل، إظهاره بأنه من دون قواعد أو بلا شكل.

وكان أول من تحدّث عن “الشكل العضوي” في مقابل “الشكل الميكانيكيّ” هو مؤسس الحركة الرومانتيكيّة، الشاعر والفيلسوف والناقد الإنكليزي صموئيل تيلر كوليريدج، حين تصدّى للدفاع عن شكسبير ضدّ النقاد الذين اتهموا أعماله بأنها تفتقر إلى قواعد ظاهرة وأصول بيّنة.

لا تكون القصيدة أو القطعة الأدبيّة في الشكل العضويّ مكوّنة ومبنيّة ومركّبة، وإنما “مشكّلة من الداخل”. هي تشبه، في حياتها السرية، غير المنظورة للعين المجردة، حياة الكائن المتعظ في علاقته مع مكوّناته والمحيط الذي يعيش فيه. ليست كائنا برّانيّا يعيش متطفّلا على غيره، ولا كائنا وحيد الخليّة يتطوّر منشطرا إلى شبيه نفسه، إلى صورة طبق الأصل عنه هو؛ بل كائن متعدّد الخلايا، تعمل كل خليّة فيه على بناء نسيجها الخاص. خلايا تغيّر من شكلها دائما لنحصل على خلايا جديدة مختلفة عن الأخرى.

يسمح الشكل العضويّ للقصيدة بأن تطوّر نفسها، وأن ترتقي على نحو مدهش، في حركتها الدؤوبة وتمايزها، فتنفتح وتنبسط وتنتشر ممتدّة وتنمو، كاشفة في آخر المطاف، عن سيرورة أواصرها وروابطها وسياقاتها وقرائنها ومقاماتها ووشائجها وتطوّراتها (علاقاتها ببعضها البعض، وعلاقة تطور كل واحدة منها في ضوء التطورات التي طرأت على الأخرى) لتحقق في النهاية شكلها الخارجيّ الفريد.

فعبر اندماج المحتوى بالشكل والانصهار فيه، كما يقول كوليريدج، يتحقق شكل القصيدة العضويّ. لا بنية للقصيدة إلّا من خلال رؤى المؤلف وموضوعاته، فلا قواعد مصطنعة ولا عمليات ميكانيكيّة. ليس سوى اللّاوعي ومخيال الشاعر فحسب. الفطرة في مواجهة الصنعة والتكلّف، والحريّة بلا قيود كفرس عارية ترمح مع الريح وترقص أمامها.

ثم جاء جيرالد مانلي هوبكنز، أبرز شعراء الحقبة الفيكتوريّة في القرن التاسع عشر، ليكتب في يوميّاته، متقاطعا مع جوهر أنّ “كل خارج هو شكل للكينونة التي في الداخل، وصورتها الحقّة منعكسة ومطروحة خارج المرآة المقعّرة” التي أطلقها كوليريدج، ومستلهما مقولات جون دانس سكوتس (1266-1308) ، أشهر علماء اللّاهوت في القرون الوسطى، حول الكينونة وجوهرها ووجودها الملموس. كتب هوبكنز عن بنية الشيء الجوّانية؛ جوهر الشيء الطبيعيّ، والذي لا يتمّ إدراكه أو النفاذ إليه، إلّا في لحظة الكشف والتجلّي التي تكشف وحدة جميع المخلوقات. ولكل شيء جوهره الخاصّ الذي يشير بالضرورة إلى صنعة الله: جمال الله الذي يتجلّى في الأشياء.

ولا بدّ لجوهر الشيء عند هوبكنز من قوّة -إلهيّة بالضرورة- توجده؛ توجد تلك البنية الفردانية التي تميّزه عن غيره من الأشياء، وتعمل على طبعها في ذهن الرائي. فمن دون هذه “القوّة” لن يكون المرء قادرا على إدراك كنه الجمال الكامن في “جوهر” الأشياء.

واقعة تحت تأثير أطروحة هوبكنز، طوّرت الشاعرة الأميركية دنيس ليفرتوف مقولاتها الخاصة حول الشعر العضويّ؛ ففي مقالتها “بضع ملحوظات حول الشكل العضويّ”، والتي نشرتها في منتصف ستينات القرن العشرين، تؤكد ليفرتوف أنّ الشعر العضويّ طريقة إدراك متبصّر أو باطنيّ للأشياء التي نشعر بها، والتي هي بالضرورة حدس بنسق ما -شكل وراء الأشكال جميعها- تمتزج فيه الأشكال، ثم تقاسم بعضها البعض صفاتها الفريدة، فتكون حينئذ أعمال المرء الإبداعيّة تجانسات وتناظرات وأمثولات واستعارات فطرية. شعر هذا النوع هو شعر استقصائيّ في المقام الأول، ولا يتحقق إلّا بنزوع الشاعر إلى التّضمين والإبهام والمجاورة والمقاربة، عبر تجربة حسيّة ملحّة للوصول إلى أفضل الكلمات وأجمل الصور وأصلح نسق للأبيات الشعريّة على الورق.

هنا، تكون القصيدة مخلوقة من جوّانية الشاعر؛ من كينونته الداخليّة، حرّة وبلا دنس كالمولود للتوّ؛ شكلها محتواها، ومحتواها شكلها. فبعض القصائد كالأشجار في شكلها، كما يقول عزرا باوند، وبعضها الآخر كالماء حين يسكب في مزهريّة.

كاتب من الأردن

14