الشعر الفلسطيني ومأزق الدوران حول الذات

الثلاثاء 2013/08/20
محمود درويش: شاعر مجدد

يذهب الشعر إلى الصمت في سيلانه، لكأنما هو مبتغاه وغوايته الأبدية، يجهد في اختبار حواسه، محاولا اصطياد المسكوت والمضمر واللامتعين في هشاشة الموجودات حوله، وهذا السعي الدائب هو امتلاء بالداخل، ووعي لمحيطه، وإحاطة للسحر البعيد فيه، حيث الممكن يتجلى.. في انفصال الواقع واتصاله، فلحظة الكتابة في توثبها، وقدرتها على الجمع بين الداخل والخارج، الحضور والغياب، الثمالة والصحو، الوجود ووجوبه، لحظة كشف بسيطة صعبة، ظاهرة وعميقة بآن.

لا يتحدد الكشف فيما يقوله الشاعر وحسب، بل بسؤال الكيف فيما يقوله، كيف يُخلّص اليومي من ابتذاله والحسي من ثقله والفكري من سلطة المفهوم فيه، والتاريخي من هيمنة التاريخ.. إنه فعل تحرر دائم وتأسيس في الوجود كما في الكلام، ولا يمكن التأسيس في إعادة إنتاج المنجز والوافر والمعطى من الكلام وتصوراته المتحققة، بل هو بالدرجة الأولى حالة كشف وتأسيس وإعادة صياغة الموجودات وفق منظور جمالي محمول بالرؤية والرؤيا، يتطلب ضمن ما يتطلبه حساسية إبداعية مغايرة للسائد والمكتسب والموروث.

الإطاحة بالشعر

يمكن النظر للشعر الفلسطيني الذي لا زال يبحث عن مخارج لمأزق إعادة الانتاج والتكرار فيه، خاصة في الموضوعة الإيديولوجية وبشقها السياسي تحديدا، التي تحتل أولوية في سياقاتة المرهقة من العزف على وتر واحد من الحالة الفلسطينية، مهما تنوعت واختلفت أصابع العازفين، حيث يعيد الشاعر كتابة المكتوب بتبشيرية حينا، وبتقريرية في أحايين أخرى، وقد يكون لمثل هذه الكتابة مبرراتها في بدايات انطلاق العمل الفلسطيني المقاوم، من أجل تعبئة الجماهير العربية وإيصال صوت فلسطين إلى العالم، إلا أن استمرارها، ولوقت طويل في الشعر الفلسطيني، قد قلل كثيرا من جماليات هذا الشعر وأهميته في خارطة الشعرية العربية، رغم ما أضافته تجارب شعراء كبار في مشهدنا الثقافي كمحمود درويش وأصوات أخرى لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة -مثالا وليس حصرا -من أساليب فنية وتعددية في التناولات والمفاهيم، لكن فيضان الحداثة الشعرية عامة وتنظيرات القصيدة النثرية خاصة في التخفف من القضايا الكبرى، والذهاب باللغة إلى أبعد مدى في اختباراتها الفنية، والبناء الشعري من التفاصيل الصغيرة بدلا من الخطاب العمومي، الذي يقول كل شيء ولا يقول شيئا، قد أطاح بالكثير من مرتكزات الكتابة الشعرية المنجزة والمعطاة.

اللغة المباشرة

لقد استهلكت مفردات الرصاص والدم والشهيد والأسلاك ورموز المرأة الوطن وثنائية الفلسطيني البطل والفلسطيني الضحية.. إلخ، تشكيلات الشعر الفلسطيني. وبات الأسلوب الشعري ينوء بثقل المنبرية وصداحها وهتافيتها، ولم يعد يجدي التوظيف الجديد ضمن أسئلة البيان البلاغي القديم القائم على النظر إلى الشعر كوصف بالكلام، بدلا من التأسيس فيه، فاللغة المباشرة التعبوية والإعلامية لم تعد صالحة للمتغيرات الجديدة حيال أسئلة الهوية والوطن والنضال والثقافة، وعلاقة الشعر بالحدث، وبالمنظور السياسي والثقافي عموما، وفهم معنى الشعر المقاوم، وكيفية تخليص الشعر مما هو ليس شعرا، كل ذلك وغيره أضحى بحاجة إلى البحث والتدقيق العميق، فما الذي يضيفه القول "بهذا عدوي وذاك صديقي" على بياناتنا السياسية اليومية؟ وما الذي تضيفه قصيدة عن العودة تردد ما قاله البيان السياسي قبل سنوات طويلة؟ إذن لابد من وقفة نقدية جديدة وطليعية وعميقة لمآلنا الشعري بعد ما حدث ويحدث في منطقتنا العربية.

ما ليس شعارا

إذا كانت الأحداث النوعية تترك آثارها على الصعد كافة، فبالتأكيد سيكون لها أثرها أيضا على المستوى الابداعي عموما، والشعري منه خصوصا، باعتباره أكثر الأنواع الإبداعية استجابة للمعطيات الجديدة، لكن حالة من الاستسهال تستغرق مجمل النتاج الشعري- وباستثناءات قليلة- يعيش الشعر الفلسطيني حالة من الدوران حول الذات، بغض النظر عن "العمود والتفعيلة والنثرية " -إن صحت هذه التصنيفات – فالفلسطيني ليس شعارا وأناشيد وطنية، ومفهوم الوطن ليس جغرافيا وحسب، إنه إنسان بالدرجة الأولى له مشاعره وأحاسيسه وقارته الداخلية، وليس ضحية ولا سوبرمانا كما صورته وتصوره خطاباتنا عادة.

إنه يحب ويضعف ويجوع ويصرخ من الألم ويبتهج بالأمل، ولذلك لا يمكن اختزاله ضمن حدود وسقوف خارج معناه، والمقاومة لا تتحدد بالسلاح وحده كما يرى البعض، فكل نص يحتفي بالحياة ويتوق لإنسانية الإنسان هو نص مقاوم، كما أعتقد، وعلينا أن نتخلص من القول بأن قصيدة عن الورد والقمر والحجر ليست قصائد مقاومة، والبقاء تحت سقف التحديدات المسبقة التي أسهمت، عن حسن أو سوء نية، في تعزيز سيطرة السياسي على الثقافي وتوجيهاته بإبقاء التصفيق حماسيا بالأكف وليس بالعقول، والخروج عن هذا النسق أصبح أكثر من ضروري لنكون في سوية آلامنا وآمالنا.

14