الشعر المجعد تاج يكرهه المجتمع وتروج له الموضة

كم تصرف المرأة على شعرها ليكون ناعما إرضاء لمن حولها؟
الأحد 2019/12/08
الرغبة الذاتية تتغلب على الذوق العام

تواجه المرأة بسبب طبيعة شعرها غير الناعم أو ميلها إلى اتباع تقليعات موضة الشعر المجعد، تنمّر البعض ومضايقات الكثيرين وتصنف وفق أحكام مسبقة على أنها متحررة وتصرفاتها وسلوكياتها ليست سوية، فيما تدير بعض الفتيات الظهر لمثل هذه الحسابات ويتابعن تمرّدهن على المعايير الجمالية بتجعيد شعورهن.

“تاج جمال المرأة شعرها”، تحرص كل أنثى بطريقتها الخاصة على تطبيق هذه المقولة، سواء من خلال اختيار اللون أو من خلال اختيار شكل التسريحة التي تناسبها، وهناك من النساء من يحبذن الشعر المجعد وهو ما قد يعرض البعض منهن للتنمر.

وهذه المضايقات ترتبط أساسا بنظرة تقليدية تعتبر أن الشعر الأملس من مقاييس جمال المرأة، لكن في المجتمعات العربية طبيعة شعر النساء تختلف عن طبيعة شعر نظيراتهن الغربيات، ذلك أن الشعر في هذه المجتمعات عادة ما لا يكون انسيابيّا ، بل يحتاج إلى زيارات متكررة لصالونات الحلاقة من أجل الحصول على شعر ناعم وجميل.

قد يبدو الأمر في ظاهره رغبة ذاتية من المرأة حتى تكون في مظهر لائق، لكن في الباطن هي مدفوعة بجملة من التراكمات والخلفيات نشأت معها لإرضاء المجتمع، ومن اللافت للانتباه أن قاعات الحلاقة النسائية تشهد اليوم إقبالا مكثفا من الفتيات الصغيرات، من بينهن من لم تغادر مقاعد المدارس الابتدائية بعد.

هذا الإقبال سببه عدم تواني البعض عن ترديد كلمة “أحرش” التي تعني الشعر غير الناعم، وتستعمل عادة بطريقة تحقيرية ليخبروا الفتاة بأن شعرها ليس جميلا.

ليس كل الفتيات يفضلن الحصول على شعر أملس، بل من بينهن من تتمرد على عائلتها ومحيطها بجعل شعرها “الأحرش” مجعدا بطريقة جميلة تروق لها، وبقطع النظر عن طبيعة الشعر هناك من يفضلن استخدام كريمات للحصول على شعر مجعد بدل شعرهن الناعم.

قوانين تمنع التمييز

مكانة مميزة في موضة الشعر
مكانة مميزة في موضة الشعر

لكن كثيرا ما تسبب النظرة الدونية لصاحبات الشعر المجعد إحباطا وانزعاجا خصوصا إذا فشلن في الحصول على شعر ناعم جميل، ويندبن حظهن العاثر لأنهن ولدن بهذا النوع من الشعر. وما يرفع منسوب رفضهن لشعرهن هو نتيجة لما يعشنه في حياتهن اليومية من مضايقات في الدراسة أو في مجال العمل، حتى أن بعض المؤسسات تعتبر أن الشعر المجعد ليس مهنيا.

وأمام غياب أي نوع من أنواع التأطير النفسي في الدول العربية ظهرت في العالم الغربي مبادرات وقوانين لمساعدة صاحبات الشعر المجعد، لاسيما من الأفريقيات، على تقبل الأمر والرضاء بالشعر كما هو عليه بشكله الطبيعي.

ويعتبر استهداف الأشخاص على أساس شكل شعرهم في العمل والمدرسة والأماكن العامة، الآن تمييزا عنصريا، حسب إرشادات قانونية أصدرتها لجنة مدينة نيويورك لحقوق الإنسان.

ومنعت اللجنة التمييز في أماكن العمل والمؤسسات التعليمية والسكن على أساس شكل الشعر الطبيعي وقصات الشعر التي يتميز بها الأميركيون من أصول أفريقية.

وقالت اللجنة إن قانون حقوق الإنسان في مدينة نيويورك يعطي لسكانها الحق في الاحتفاظ بقصات الشعر أو شعرهم الطبيعي الذي يرتبط ارتباطا وثيقا بهويتهم العرقية والثقافية، معتبرة ذلك أمرا “شخصيًّا للغاية”.

إسلام عزت عوض: تعرّض صاحبات الشعر المجعد لمواقف محرجة سببه العقلية التي تعتبرهن ذوات سلوكيات غير سوية
إسلام عزت عوض: تعرّض صاحبات الشعر المجعد لمواقف محرجة سببه العقلية التي تعتبرهن ذوات سلوكيات غير سوية

وأضافت أن سياسات العمل التي تتطلب تغيير هذه القصات أو الشعر الطبيعي تخالف القانون، وأن أصحاب الأعمال الذين يقومون بذلك يرتكبون عملا تمييزيا. ومنعت أيضا التمييز في أماكن توفير الخدمات العامة مثل السكن والمدارس.

وأصبحت كاليفورنيا، منذ يوليو الماضي، تمنع “التمييز العرقي على أساس الشعر” مع قانون يسمح بقصة الشعر الأفريقية أو الضفائر أو الشعر المجدّل المعروف بـ”دريدلوكس” في المدرسة أو أماكن العمل.

وتولت صياغة وتقديم القانون هولي ميتشل، السيناتور الديمقراطي عن لوس أنجلس، موضحة أن “هذا القانون يحمي حق سكان كاليفورنيا في أن يظهروا بتسريحة شعرهم الطبيعية من دون أي ضغوط لجعلهم يمتثلون لمعايير أوروبية التوجه.. هذا الأمر يمثل رمزا لهويتنا”.

وقالت “هذا الأمر يمثل رمزا لهويتنا. عندما كنت أجدّل شعري بطريقة ‘دريدلوكس’ قبل خمس عشرة سنة”، كنت أعلم أن الهدف من ذلك توجيه رسالة اجتماعية وسياسية إلى العالم الخارجي”.

ويؤكد النص القانوني أن الشعر “يبقى من الأسباب المنتشرة للتمييز العرقي ولهذا الأمر تبعات اقتصادية وصحية خطيرة خصوصا للأفراد السود”.

وافتتحت الفنانة التوغولية من أصل لبناني، منية يوسف، في أكتوبر الماضي معرضا سيتواصل إلى نهاية شهر ديسمبر الحالي، تدافع من خلاله عن الشعر المصفّف على الطراز الأفريقي، معتبرة أن الشعر “مرآة الروح” وجزء لا يتجزأ من الأنوثة والهوية.

وترى يوسف في فنّ “التصوير والتصميم الغرافيكي” وسيلة “لرفع المطالب.. للفن تأثير بالغ على أفراد المجتمع حيث نعيش. والوضع يتغيّر بفضل الفنون، كما أن العقليات تتغيّر”، آملة أن “تغيّر أنماط السلوك والعقليات”.

من الرسم إلى التصوير الفوتوغرافي، اختار المصور المصري إسلام عزت عوض (فوتوغرافي حر) الكشف عبر عدسات كاميراته وليس بالكلمات، عن قضايا حقيقية تؤثر على مجتمعه، والعمل على توثيق هذه القضايا.

وأوضح عوض لـ”العرب” أن اختياره للشعر المجعد حتى يكون موضوع جلسة تصويرية قام بها برفقة مجموعة من الفتيات، لم يأت من فراغ بل “كان بناء على عدة أسباب أهمها ملاحظته ازدياد عدد الأمهات اللائي يشتكين عبر الغروبات في موقع فيسبوك، من تعرض أبنائهن للتنمر في المدارس بسبب طبيعة شعرهم”.

وأضاف “كما أن بعض الصديقات أخبرنني بتعرضهن لمواقف محرجة خصوصا في وسائل النقل العامة، وصلت حد التحرش، وذلك بسبب العقلية التي تعتبر صاحبات الشعر المجعد ذوات سلوكيات غير سوية”، متابعا “للأسف الناس يعتبرون أن صاحبة الشعر المجعد شخصية متحررة لا يقيدها شيء، تفعل ما تريد وفق ما تريد”.

التمرد على المعايير التقليدية

جمال خاص
جمال خاص

لفتت مريم كوكي البوعاني، عالمة النفس والباحثة التونسية في مجال الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية، إلى أن الشعر المجعد يتعدى مجرد ارتباطه بالحرية إلى ما هو أخطر بكثير، إذ تصاحب صاحبات الشعر المجعّد إما نظرة المجتمع السلبية التي تحمل عنصرية وإما  أحكام مسبقة.

وهذا ما جعل بعض الفتيات يعتبرن اختيارهن لتسريحة الشعر المجعد تمردا صريحا على المجتمع والأهل، حيث مِن معايير الجمال بالنسبة إليهن أن يكون الشعر منسدلا. ووفقا لعالمة النفس التونسية “لا يقبل البعض الشعر المجعد ويطلق أحكاما على صاحباته، فبالنسبة إليه يشير هذا النوع المختلف إلى المرأة المتحررة التي نجحت في تجاوز حدود القواعد الاجتماعية والدينية”.

وأشار عوض إلى “أن للشعر المجعد طقوسا ترافقه كاللباس غير المحتشم، لذلك يتم تصنيف صاحبات الشعر المجعد على أنهن قليلات أدب.. ومن هنا جاءتني الفكرة فانطلقت في تدوين ما أسمعه من بعض الفتيات حول تجاربهن القاسية مع التنمر، ثم بدأت في تحويل ذلك إلى جلسة تصوير عبرت من خلالها كل فتاة عن تجربتها، وكل واحدة منهن صورت وهي تحمل لافتة تنوعت مضامينها ومنها (أنا مش منكوشة/بنحب شعرنا بنحب شكلنا)”.

وأوضحت البوعاني لـ”العرب” “لطالما درس علم النفس الاجتماعي سلوك الامتثال والاتّباعية، الذي يتجسّد في سعي الأفراد إلى مطابقة سلوكهم مع الأغلبية في المجتمع الذي يعيشون فيه. وفي هذا السياق، يمكن للمرأة التي اختارت تصفيف شعرها بأسلوب يختلف عن أغلبية الإناث أن تسبب قلقا اجتماعيا وتتحول إلى هدف واضح للأحكام المسبقة التي تحتقر كل ما يربطونه بها”.

وهذا ما يفسر تعرض الفتيات اللائي قررن تحدي هذه النمطية والخروج بشعرهن الطبيعي، للكثير من التنمر والمضايقات. وعلى الرغم من المحاولات لتغيير هذه النظرة لا تزال هناك في بعض المناطق، لاسيما الأحياء الشعبية، رياح العنصرية والإقصاء لصاحبات الشعر المجعد.

وتحدثت شابة تونسية لـ”العرب” عن تجربتها اليومية مع المضايقات التي تعرضت لها بسبب شعرها المجعد، وعن المشاكل النفسية التي واجهتها بسبب محيطها.

وأكدت نعيمة، المرافقة التربوية لذوي الاحتياجات الخاصة، في بداية حديثها أن النساء متضررات جراء هذا التمييز أكثر من الرجال، قائلة “عندما كنت أخرج إلى الشارع، منذ سنوات، وأخالط الناس من حولي بشعر مجعد، أتعرض لموقفين متضادين، أحدهما يبارك ذلك والآخر يدين”.

وتابعت “غالبا ما يستوقفني الناس لسؤالي عن طريقة فردي لشعري مبدين إعجابا بشكله، في المقابل كان والدي يقرعني كلما رجعت إلى المنزل بسبب ذلك لأن بعض الجيران يحرضونه قائلين إن هذا الشكل من الشعر لا يعطي انطباعا جيدا عن الفتاة بل يجعلها محل استهجان ويخلق منها فتاة غير محترمة في أنظار كل من حولها.. فأحاول جاهدة إقناعه بالعكس ولم يستسلم إلى أن تحجبت (ارتدت الحجاب)”.

مريم كوكي البوعاني: المجعد نموذج للتجديد، إذ ترغب النساء في التحرر من الشعر الحريري الذي رأى فيه أسلافنا معيارا للأنوثة
مريم كوكي البوعاني: المجعد نموذج للتجديد، إذ ترغب النساء في التحرر من الشعر الحريري الذي رأى فيه أسلافنا معيارا للأنوثة

وأشارت إلى أن هيئتها كانت تشجع بعض الشابات من زميلاتها في الدراسة على أن يحذون حذوها، مؤكدة “لكن نظرات الجيران لا تزال تلاحقني وتحاكمني محاكمة صامتة تدين تصرفاتي رغم ارتدائي للحجاب على اعتبار أنني في طفولتي كنت متحررة.. نضجت الآن بما يكفي حتى أني لم أعد أبالي بهذه المحاكمة الرمزية ولا أعير همساتهم اهتماما، ما دمت واثقة من أخلاقي وتصرفاتي”.

وشددت على أنها لن تتوانى عن الخروج بشعر مجعد إن رجع بها الزمن إلى الوراء وأنها ستكرر ذلك بكل فخر، قائلة إن المجتمع التونسي لطالما ربط صاحبات الشعر المجعد بالمنتسبات إلى معاهد الفنون الجميلة..

ولا تعد هذه الشابة التونسية نموذجا فريدا فقد اضطرت الكثيرات إلى تبني شكل مختلف عن طبيعة شعرهن، وكانت ميشيل أوباما السيدة الأولى السابقة للبيت الأبيض، إحدى السيدات اللاتي فرضت عليهن الظروف التخلي عن طبيعة شعرهن.

وكانت ميشيل وصفت ما عاشته بأنه “واقع محبط للغاية” حول دورها كامرأة سوداء في الحياة السياسية بأميركا، حاولت أن تظهر مثل البيضاوات اللاتي ما إن يرينها حتى يتعجبن من وجود امرأة بمثل لونها في ذلك المكان، لكنها تعيش معاناة لا يعلمن عنها شيئا.

وجاء ذلك خلال حضورها في أغسطس الماضي بشعر مجعد صافحت به جمهور مهرجان نيو أورليانز، لأول مرة بعد مغادرتها البيت الأبيض.

كما أن معظم شركات التسويق أو الماركات التجارية الكبرى تروج لتلك الأفكار النمطية حول شكل الشعر “المثالي” وملمسه.

لكنّ تقريرا نشرته مجلة “غلامور” الأميركية المتخصصة في الموضة، العام الماضي، أشار إلى أن الشعر الأملس الطويل لم يعد مسيطرا على السجادة الحمراء وأن النجمات أصبحن أكثر جرأة في الظهور بشعر قصير ومجعد على عكس المعتاد.

كما أن الشعر المجعد صار مرغوبا فيه أيضا في العالم العربي، إذ بدأت الكثيرات من الفتيات في الاستغناء عن المواد الكيميائية والأدوات الخاصة بفرد الشعر وتمليسه وأصبحن غير عابئات بالنظرة التي تربط بين الجمال والشعر الأملس.

وقالت البوعاني “يمكن أن نعتبر الشعر المجعد نموذجا للتجديد ونوعا من التمرد، حيث ترغب بعض النساء اليوم في التحرر من الشعر الحريري الذي رأى فيه أسلافنا معيارا للأنوثة والجمال”.

تشكيك متواصل

بادوي مصطفى: التصنيفات المظهرية للأشخاص بناء على أذواقهم هي تصنيفات عنيفة، لأنها بمثابة إطلاق لأحكام جاهزة
بادوي مصطفى: التصنيفات المظهرية للأشخاص بناء على أذواقهم هي تصنيفات عنيفة، لأنها بمثابة إطلاق لأحكام جاهزة

الأستاذ المغربي في الفكر الإسلامي والفلسفة بادوي مصطفى، لا يعتبر المسألة حاملة لصفة مشكلة، مشددا على أن محاولة تصنيفها كمشكلة تعسّف على الذوق والجمال والهوية الشخصية وقيمة الشخص وحريته، بل وتعسف على الأشخاص بإخفائهم نمطا جاهزا متحررا للغير فقط انطلاقا من تجعد الشعر.

وأكد بادوي في حديثه لـ”العرب” أن “التصنيفات المظهرية للأشخاص بناء على اختياراتهم وأذواقهم ومنطلقاتهم الأيديولوجية أو ملابسهم هي تصنيفات عنيفة عنفا رمزيا، لأنها بمثابة إطلاق لأحكام جاهزة”.

وأضاف أن الأمر “برمته اختيار شخصي ولا أظن أن الشعر قادر على إعطائنا انطباعا عن الشخص ومعرفة ما إذا كان متحررا أو منضبطا في سلوكه حتى لو كان منسدلا وناعما، ثم أين تكمن المشكلة في كون شخص متحررا؟”، متابعا “وحتى إن حصل هذا فقد يكون سلوكا مرضيا معزولا وناجما عن أشخاص لا يستحق أن نتناول سلوكهم بالبحث والتأويل”.

ولا يعتقد الأستاذ المغربي أن “الشعر قد يكون باعثا على تصنيف المرأة في خانة من يستحق أن يتنمر عليه أفراد المجتمع. فكرة أن المجتمع يربطه بالتحرر بالنسبة إلي تبدو عبثية”.

وأعرب عن انزعاجه من تصنيف هذه الحالة التي تنطلق من أحكام جاهزة امتدت بشكل لا مبرر له لتصل إلى الفصل عن العمل والدراسة رغم ارتباطها أساسا بالذوق الإنساني، كظاهرة اجتماعية أو إنسانية أو نفسية.

20