الشعر "النيء" والشعر"المطبوخ"

السبت 2014/12/27

لم تكن قد مضت سوى سبعة أعوام على نيل “روبرت لويل” جائزة الكتاب القومي المرموقة، عن ديوانه “تأملات حياتية”، حتى وضعت “تايم مغازين” على غلاف عددها الصادر في 2 يونيو 1967، رسمة له، مع عنوان وحيد: الشعر في زمن النثر. كانت المجلة، آنئذ، تحتفي برائد النزعة الاعترافية في الشعرية الأميركية، بوصفه “أعظم شعراء جيله”.

وفي خطاب تسلمه لجائزة الكتاب القومي، تحدث لويل عن نوعين شعريين متصارعين، بقوة، في ذلك الوقت: الشعر النيء brut، والشعر المطبوخ cuit. فالأول، بالنسبة إليه “ذو بنية متقلقلة”، ولكنه “فتاك” ومنتهك؛ في إشارة إلى شعر جيل “البيت Beat”، بزعامة ألين غينزبيرغ، حيث كانت القصيدة الشهيرة “عواء”، والتي نشرت قبل أربعة أعوام من مجموعة لويل، قد بعثت النشاط والحيوية في شعر ذلك الوقت، ثم نقلته، على نحو راديكالي، من “المنصة”، والغرف المغلقة، إلى “الشارع” وأما الثاني، فهو شعر “صنعة بارعة”، ولكنه “قصي” و”مبني على نحو ميكانيكي”؛ شعر المؤسسة الأكاديمية، والذي يشبه “فأرا قضمته القطط”.

شكلت مجموعة لويل هذه علامة فارقة في مسيرة الشعر الأميركي، في نهاية خمسينات القرن العشرين، وربما مازالت، كذلك، إلى هذا اليوم، فقد عدّها الشاعر ستانلي كونتز “أكثر الكتب تأثيرا في الشعر الحديث منذ الأرض اليباب لإليوت”.

فهي التي فتحت الباب على مصراعيه لولادة تيار جارف، عرف لاحقا في المدوّنة الأميركية بالشعر الاعترافي، وهو “تقليد” بدأ مع “والت ويتمن وإيميلي ديكنسون، ثم انتهى بانتحار جون بيرمان وسيلفيا بلاث وآن سيكستون”.

فإذا كان المؤرخون الأدبيون يجمعون، وفقا لبيتر كاش، على أن مجموعة تي.إس. إليوت، “بروفروك وملحوظات أخر” (1917)، هي التي أطلقت شرارة اللحظة التي ولد فيها الشعر الحديث، فإنهم يجمعون كذلك على أن “تأملات حياتية” (1959)، لروبرت لويل، هي التي قدحت شرارة “البداية الثانية”: حيث يستخدم لويل “حالته العقلية، بوصفها استعارة لحالة الشعر الحديث”.

ولم يكن ذكر لويل لهاتين الشعريتين يعني انحيازه لشعرية ضد أخرى، وإنما ليقول إن الشعر الذي يكتبه هو في تلك اللحظة شعر يختلف في موضوعاته وتقنياته جذريا عنهما على حدّ سواء. شعر يبتعد عن الأسلوب التقليدي غير الشخصي، الذي طبع أعمال لويل الأولى، تلك الأعمال التي ارتبطت بشكل وثيق بحركة “النقد الجديد” التي تزعمها ألين تايت. شعر يكسر الأوزان التقليدية، ولكنه منضبط إيقاعيا؛ يستعير الموسيقى من الشعر، والسرد من النثر.

شعر في منطقة وسطى، بين النثرية المفرطة للتيار الأول، والهندسة الإيقاعية الطاغية للتيار الثاني. شعر بأبيات حرة قصيرة، شعر موضوعاته الرئيسية، أو ربما هاجسه الأوحد، حياة الشاعر نفسها. حياته ولا شيء سواها، بعذاباتها وهلوساتها، وشكها في كل شيء خارج تلك الحياة.

يترك الشاعر “مدينة الله في المكان الذي تنتمي إليه”، ويذهب إلى “الطبيعة التي ترفع مرآتها” كي لا يرى سوى نفسه -نفسه المتحولة وآلامها- ولا يسمع سوى “روحه المريضة وهي تنشج في خلايا دمه”. يتنقل وحيدا كالذئب الشارد، بين المصحات العقلية، دائخا في بحثه عن “معنى المعنى”، في الغياب الذي يجعل القلب يخفق كما لم يسبق له من قبل. وفي الساعات التي تمضي وحيدة بين أطراف النهار يرى في “مرآة الحلاقة”، في البهو الضيق بين النافذة الزرقاء وغرفة النوم، بأنه ليس سوى “كهل” يحمل في يده “موسى مطبقة”.

يصبح الشاعر هو القصيدة. وتصبح القصيدة هي تاريخه الشخصي. تنصهر جوانية الشاعر مع برانية القصيدة، كما تنصهر برانية الشاعر مع جوانية القصيدة. فلا حدود فاصلة أو معينة، بين الأنا الغنائية واللغة. “أنا” القصيدة هي “ذات الشاعر المضطربة”، إنها “إبرة القلب”.

يحتشد الشاعر، بكل ذكرياته، دفعة واحدة، في القصيدة، ثم يهبط بها بعد أن يصعد إلى الجحيم. إلى جحيم نفسه: حيث “كل شيء يتألم، ويخبره بأنه يتوجب عليه أن يموت”.


شاعر ومترجم من الأردن

16