الشعر بين الشعارات والأيديولوجيا

الجمعة 2016/04/15

من المؤسف أن غياب الصحافة الأدبية المتخصصة التي يشرف عليها أبرز الأدباء والنقاد، والحركة النقدية الفكرية والأدبية الجادة في الحياة الثقافية الجزائرية، قد سبب، ولا يزال يسبب مشاكل كثيرة وفي مقدمتها الخلط بين المفاهيم والمصطلحات إلى حد مثير للقلق. ففي بدايات هذا الشهر ساهمت في إقامة ندوة في المكتبة الوطنية الجزائرية وكان موضوعها حول الإجابة على هذا السؤال: هل يوجد مشروع شعري في الجزائر في مرحلة الاستقلال؟

في هذه الندوة دار نقاش لمدة أكثر من ثلاث ساعات حول هذه القضية وقضايا أخرى متصلة بالتجربة الشعرية مثل الفرق بين استغراق الشاعر في ترصيع القصائد بالشعارات السياسية والاجتماعية وبين اعتناق هذا الشاعر أو ذاك لأيديولوجيا معينة وإعادة إنتاجها في عمله الشعري، ومميزات لغة القصيدة الحديثة، وكذلك التقسيم التعسفي للأجيال الشعرية على أساس الفترات الزمنية التي تقدر بعشر سنوات وليس بالانتماء إلى المدارس أو التيارات الشعرية أو على أساس نوعية التجربة التي يشترك أو لا يشترك فيها هذا الشاعر أو ذاك مع الشعراء الآخرين.

لا شك أن الخلط بين الشعارات وبين الأيديولوجيا قد أدّى ببعض المعلقين إلى إصدار أحكام قيمة فضفاضة. حسب هؤلاء فإن من يذكر، مثلا، مفردة اليسار أو الفلاحين، أو الإمبريالية فيصنف بجرة قلم كشاعر أيديولوجي يساري، أما من يذكر كلمة اليمين مدحا، أو يتغنى بالدين، أو بالجنة، فيدرج بالقوة في خانة الشاعر الأيديولوجي اليميني الأمر الذي يذكرنا بجزء من قصيدة الشاعر المصري الراحل أمل دنقل الذي قال مرة في قصيدة منسوجة في الغالب بالشعارات “إن اليسار لفي عسر أما اليمين لفي خسر”.

وفي الحقيقة فإن الشعارات شيء والأيديولوجيا شيء آخر مختلف تماما. فالشاعر الجدير بهذا اللقب يتعامل مع ما هو ظن وليس مع ما هو اعتقاد. ثم إن الفن الحقيقي يقدم الإحساس بالوجود ولا يقدم معرفة منطقية به، وهذا ما دفع بشاعر إنكليزي إلى القول إن الشاعر لا يقدر أبدا أن يجعل اللغة وعاء معياريا لوقائع الحياة والطبيعة وتقلبات النفسية البشرية لأن لغة الشعر رمزية وتمثيلية فقط، وليست مطابقة حرفيا لمكونات العالم الخارجي.

وفي هذا الخصوص يمكن لنا أن ننتبه إلى التمييز الذي يقترحه اللغويون التداوليون بين اتجاه مطابقة الكلمة لما هو موجود في الخارج من وقائع يمكن تسميتها ووصفها بلغة تقريرية. فالشاعر الذي يوهم نفسه بأنه قادر على القبض على جزئيات الواقع بالمفردات اللغوية التي يستخدمها دفعة واحدة هو أشبه ما يكون بمن يريد أن يلتصق بالمرآة التصاقا كليا لكي يرى نفسه ولكنه يدرك في آخر المطاف أنه بذلك لا يرى نفسه ولا يرى أيضا تلك المرآة التي يغطيها بجسده.

كاتب من الجزائر مقيم بلندن

15