الشعر تجربة في الشك ولا يقين سوى القصيدة

تشهد الساحة الشعرية المغربية حراكا هاما، على عكس ما درج على لسان الكثيرين كون المغرب بلد النقد، فقد قدم هذا البلد للشعر العربي الكثير. ولكن الحراك الشعري الذي يمتاز به المغرب اليوم ليس وليد اللحظة، بل هو ناتج عن عقود من التراكم والجهد. وهذا ما بينه الشاعر المغربي محمد بنطلحة في ندوة له بالقاهرة.
الجمعة 2017/11/17
لا توجد حرب أهلية بين الرواية والشعر

شارك الشاعر المغربي محمد بنطلحة في مهرجان طنطا الشعري، وقد استضافته على هامش هذه التظاهرة مؤسسة أروقة للنشر والترجمة والدراسات في ندوة أدارها الشاعر والباحث هاني الصلوي بمقر المؤسسة في القاهرة، تحدث فيها عن الشعر وتجلياته ومشهده المغربي والعربي.

انعطاف إلى الحداثة

في بداية مداخلته يؤكد بنطلحة أن الصراع بين الشعر والرواية صراع وهمي، ويقول “في البدء كان الشعر، ولا أريد أن أقول إن هذا زمن الرواية كما قال الدكتور جابر عصفور، لأن الرواية تستعين بالشعر كسرا لملل الوصف، ولفظة قصيدة، تحمل الـ ‘قص‘ والـ ‘اقتصاد‘، بغض النظر عمن يقول إن هذا ليس زمن القصيدة، فالقصيدة من سبعة أبيات فقط، والآن نكتب النص”.

وطرح بنطلحة سؤالا إلى أين يسير الشعر؟ قائلا “بشكل عام وفي ضوء السياق الحالي، صرنا نقول إن الشعر هو الابن الفقير للعائلة، فالإقبال على القراءات الشعرية حتى في أوروبا قليل جدا، في أوروبا حين يكون عدد الحاضرين بين 20 و25 و30 شخصا تعتبر الأمسية ناجحة، وبطبيعة الحال نعيش عصر السرعة والماديات وشبكة الإنترنت وغيرها أشياء كثيرة تدخلت في تقليص الشعر فضلا عن كونه لم يعد مقروءا”.

وأضاف الشاعر “إن الشعر مر بأكثر من مرحلة: الصوتية، الإنشاد، الورقية، وأخيرا المرحلة الرقمية؟ ماذا سيكون غدا؟ ما هو المصير؟ نفس الشيء بالنسبة إلى الأشكال الأخرى، الأشكال كما يقول رولان بارت ‘لا بد أن يكون هناك شكل كي تكون هناك كتابة‘، ولكن كل كتابة لديها أخلاق، وهو ما يسميه بأخلاق الكتابة، هناك أشكال جربها العالم بشكل عام وهناك أشكال جربناها نحن، الشعر التقليدي أو شعر البيت، ثم القصيدة الحرة وقصيدة التفعيلية، ثم قصيدة النثر، والآن هناك حديث عن قصيدة الهايكو، هل هناك سقف للأشكال؟ هناك من شعراء قصيدة النثر من يقول إنها السقف، أي وصلنا إلى السقف، وهذا يعني أننا وصلنا إلى الأفق المغلق، في الشعر لا يمكن أن يكون هناك أفق مغلق على الإطلاق”.

ويرى بنطلحة أنه مع بداية السبعينات من القرن الماضي جاءت نقلة مهمة، لم تكن في المغرب فقط ولكن أيضا في مصر وبلدان أخرى. هنا ظهرت فكرة السؤال والشك وعدم الاطمئنان إلى شكل معيّن.

وأضاف “هناك أكثر من حالة صراع منها صراع الأجيال، فالذين جاؤوا بعدنا أرادوا أن يهدموا جيلنا، قالوا هؤلاء ليسوا شعراء، بينما في الحقيقة عشنا فترات دمار في مجتمعاتنا ولم يكن هناك من يدافع عن الإنسان ـ كي لا أقول عن المواطن ـ لم يكن لدينا برلمان أو جرائد، في المغرب كانت جريدة واحدة، فكان شيئا طبيعيا أن يقف الشاعر إلى جانب الوطن والمواطن وأخيه الإنسان حيثما كان، ولكن الرغبة في التغيير لدى هذا الجيل لم تكن رغبة في تغيير المجتمع فقط بل رغبة في تغيير أساليب التعبير عن المجتمع، ومن ثم كانت أسئلتنا حول اللغة، ما هي اللغة؟ بأي سجل لغوي سنشتغل؟ ما هي الأسئلة الكبرى التي يمكن أن تطرحها اللغة على الشعر؟ هذه كلها أسئلة كان الشاعر في السبعينيات يطرحها”.

الشعر المغربي

يرى بنطلحة أن الشعر في المغرب كما ينبغي أن يكون في أي من بقاع العالم حركة أفراد وليس حركة جماعات، ويذكر أنه في مصر كانت حركة إضاءة وحركة أصوات، حركات اشتغلت في إطار خدمة الشعر من زوايا معينة، كانت حركات تكتلات، وبنهاية المطاف ماذا بقي منها؟ ليس الصوت العام الكبير ولكن الصوت الفردي بشكل أو بآخر.

اليوم صرنا نقول إن الشعر هو الابن الفقير للعائلة، فالإقبال على القراءات الشعرية حتى في أوروبا قليل جدا

ولفت بنطلحة إلى أنه لا توجد أي إشكالية في الكتابة باللهجات كالأمازيغية والفرنسية وغيرهما، لأننا نبحث عن الشعر، وفي المغرب هناك تعدد لهجات،كما يقول، لكن ليست هناك سيطرة للهجة على لهجة أخرى، “نحن الآن من أجل التعدد، ولا إشكال في هذا التعدد، وإلا سنسقط في نوع من التنميط السياسي أو الأيديولوجي أو العقائدي، نحن في غنى عن ذلك. كما لا أرى أن هناك حربا أهلية بين الرواية والشعر، أو بين الشعر والنثر، في العمق الجامعي ننطلق من المقولة الأساسية لهيدغر ‘التأسيس باللغة‘، ‘تأسيس الوجود باللغة‘ أو ما يمكن أن ألخصه في تعريف جيرار بينيت للشعرية ‘النظرية العامة للأشكال الأدبية‘. الشعر صناعة، مهنة، والمهنة إتقان وكما نقول ينبغي أن تكون هناك ‘الغرزة المدفونة‘ أي إخفاء الكثير من العمليات لإظهار المنتوج”.

وشدد بنطلحة على “ضرورة أن تكون للقصيدة استقلاليتها وشخصيتها وأن يكون هناك هامش يحيط بها ويعزلها عن باقي العالم، هذه فكرة ماكس جاكوب، وهذا ما لا ينتبه له الكثيرون الذين يركزون فقط على سوزان برنارد وينسون ماكس جاكوب الذي ترجمت مقدمته في كتاب ‘جام النرد‘ حيث يتحدث عن بعض المواصفات التي يراها أساسية بالنسبة إلى التموضع والموضعة، أيضا لا ننتبه إلى وجهات نظر أخرى مثلا قصيدة النثر عند آلان بول ترتكز لديه على وحدة الانطباع وكلية التأثير، وأيضا العمل الجميل الذي قام به والت ويتمان، طوال حياته لم يكتب سوى كتاب واحد ‘أوراق العشب‘ طبع طبعات متعددة، كل ما كان يفعله ويتمان هو أن ينقح ويزيد ويمحو، ودائما عمل شائك كما يقول مالارميه ‘ليس أن يضيف ويملأ..لا، بل أن يحذف‘، بالنسبة إلى مالارميه ‘النص أفعى‘ كي نأمنها ونسيطر عليها يجب أن نحذف الرأس والذيل، وهذا منطقي، الشاعر يبدأ الكتابة متصورا أن هذه البداية طبيعية، لكنه قد يكون في مرحلة ما قبل الكتابة، ويحس أن نفسه الشعري لم ينته فيقول كلاما كثيرا، بعد ذلك عليه أن ينتبه وأن يحذف”.

وحول تجربته قال بنطلحة إن أول قصيدة نشرها كانت عام 1970 جاءت في إطار المرحلة عنوانها “دمعة أخيرة”، بدأ من الآخر، وهكذا يرى نفسه دائما يبدأ من الآخر، فكان أول ديوان له “نشيد البجعة” نهاية 1989، ليكون آخر الشعراء من جيله في نشر الديوان الأول”.

وختم بنطلحة ندوته بأن الشعر المغربي مر بتجارب متعددة كان في البداية متأثرا بالبعد الديني ثم شيئا فشيئا بدأ يتحرر ولحد الساعة، لكن مشهده كأغلب المشاهد الشعرية العربية لا تزال تلقي فيه القصائد بالعقلية القديمة، أي عقلية الفقيه وليس الشاعر، هناك إذن من يراهن على الماضي وما هو ثابت ومن يراهن على ما هو متحرك ومن يراهن على السؤال أو على الأقل من ينطلق من الشك لا اليقين وهو ما يصنع الشعر، الشعر هو بحث عن الكينونة، هو التأسيس للوجود بواسطة اللغة.

ونذكر أن محمد بنطلحة يحتل مكانة بارزة في الحداثة الشعرية في المغرب، ويحظى بنفس المكانة لدى شعراء المغرب من مختلف الأجيال، حصل على شهادة الدكتوراه من جامعة إكس أن بروفانس بفرنسا، ونال الكثير من الجوائز المرموقة، من أعماله: نشيد البجع، غيمة أو حجر، ليتني أعمى، سدوم، قليلا أكثر، وأخيرا صدرت أعماله الشعرية الشهر الماضي.

15