الشعر صانع الأساطير التي يجب أن نصدقها

الناقد عبدالناصر حسن يؤكد أن الأشكال الأسطورية والملحمية والشعرية كلها أشكال يربطها ذلك الاتصال الروحي العميق الحافل بالتجارب الإنسانية بكل أسرارها وبواعثها النفسية والجمالية.
السبت 2018/11/10
حسن: الأسطورة في عبورها أو تقاطعها للأزمنة تعد في النهاية محاولة متبصرة وخيالية

الفكر الأسطوري مشاع لكل البشر ولكل الحضارات والثقافات على تنوعها، ولكل المعارف الإنسانية التي تناولت الأسطورة أو تماست معها بدءا من الفنون البصرية والسمعية والكتابية وانتهاء بعلوم مثل الأنثروبولوجيا. لكن تبقى علاقة الأساطير بالشعر علاقة خاصة جدا.

في كتابه ”صانع الأسطورة في الشعر العربي الحديث” يؤكد الناقد عبدالناصر حسن أن علاقة الشعر بالأسطورة علاقة موغلة في القدم، حيث التقى الشعر بالملاحم البابلية والإغريقية والسومرية والفرعونية مثل إيزيس وأوزوريس ومثل الإلياذة والأوديسة وملحمة جلجامش وغيرها. كما أن هناك ارتباطا واضحا بين التراتيل والابتهالات الدينية التي كان يقوم بها الكهنة في المعابد والأشعار الشعبية التي كان يرددها المنشدون في المناسبات الدينية، وبين التجربة الشعرية ذات السمات الروحية والجمالية بالغة الأثر.

يؤكد حسن أن الأشكال الأسطورية والملحمية والشعرية كلها أشكال يربطها ذلك الاتصال الروحي العميق الحافل بالتجارب الإنسانية بكل أسرارها وبواعثها النفسية والجمالية، ولا غرابة بعد ذلك في عودة الشاعر المعاصر إلى تلك التجارب الأسطورية في الشعر، وإنها لعودة حقيقية لمصادر التجارب الإنسانية الأولى في تاريخ البشر ومحاولة التعبير عن امتداداتها في عصرنا الراهن بوسائل مبتكرة تجعلها تقع دائما بين الحقيقة والخيال الأدبي الخلّاق، إن كلا من الأسطوري والشعري يوهمان الإنسان بامتلاك السلطة على الأشياء إذ اللغة لدى صانعي الأسطورة ليست أداة اتصال فحسب، بل هي أيضا أداة سحرية للسيطرة على الأشياء والكائنات.

علاقة الشعر بالأسطورة علاقة موغلة في القدم
علاقة الشعر بالأسطورة علاقة موغلة في القدم

ويرى المؤلف أن الأسطورة في عبورها أو تقاطعها للأزمنة تعد في النهاية محاولة متبصرة وخيالية، لتفسير الظواهر الحقيقية أو المفترضة التي تثير فضول واضع الأسطورة، أو هي مسعى لبلوغ الإحساس بالإشباع بإزاء الحيرة القلقة في مواجهة أمثال تلك الظواهر.

كذلك توجد علاقة عامة وثيقة بين الأسطورة والتاريخ، لأن كل أسطورة تُروى بشكل أو بآخر هي تاريخ على حد تعبير شتراوس، وبما أن “الأساطير تشكل عند إنسان المجتمعات البدائية تاريخه المقدس، كان عليه أن يحاذر من نسيانها”.

وأيا ما كان الأمر فإن العلاقة بين التاريخ والأساطير تكتسب دائما طابعا جدليا، بحيث يمكننا القول مع بعض الباحثين في الأساطير “إن الأسطورة هي التاريخ الذي لا نصدقه، وإن التاريخ هو الأسطورة التي نصدقها”.

والسؤال الذي يطرح هنا هو هل بوسعنا القول إن هناك أسطورة تاريخية قديمة وأسطورة أخرى أدبية أو فنية؟ وهو ما يجيب عنه المؤلف قائلا “إن المتأمل في مثل هذه الفكرة لا بد أن ينتهي به الأمر إلى الإقرار بوجود أسطورة أدبية أو فنية مغايرة كل المغايرة للأسطورة في صورتها القديمة، إن هذا التصور لا ينكر بحال من الأحوال ما للأسطورة والأدب من صلات وروابط مغرقة في القدم، ولا غرابة بعد ذلك أن نكتشف وجود مصطلح يدل على ما يمكن أن نسميه الأسطورة الأدبية، ولا شك أن هناك فروقا واضحة تجعلنا مطمئنين عند التفريق بين الشكل الأولي للأسطورة وبين ما نسميه هنا الأسطورة الأدبية”.

فإذا كانت الأسطورة كما سرديا، فالأسطورة الأدبية هي كم سردي، وكيف فني، وكيف إبداعي، كما تختلف الأسطورة الأدبية من حيث المجال الذي تتكون فيه، إذ لا تكون الأسطورة إلا عن طريق الحكي أو السرد، أما الأسطورة الأدبية فنجدها في مجالات عديدة: المسرح، والموسيقى، والأدب. وقد تتبنى الأسطورة جماعة، ولا نعرف مؤلفها، بينما تكون الأسطورة الأدبية، على العكس، معروفة المؤلف في الكثير من الأحيان لأن إنتاجها فردي، وهذا ما يفقدها قداستها الجماعية، التي تلتف حول الأسطورة وتتبناها.

ومن جهة أخرى، قد يختلف النص الأدبي الذي يتضمن الأسطورة الأدبية من مؤلف إلى آخر، ومن هنا فإن قوة المبدع صانع الأسطورة تكمن في المقام الأول في اللغة واستخداماته الفنية لها فهي بالتأكيد لغة تختلف بشكل كبير من حيث الرمزية والإيحاء والكثافة والقدرة على الإثارة.

وقد ضم الكتاب بين دفتيه مجموعة من الأبحاث تمحورت حول موضوع الشعر والأسطورة، نذكر منها: “لارا” و”عائشة” عند البياتي صانع الأسطورة، أدونيس صانع الأسطورة قراءة في ديوانه “أغاني مهيار الدمشقي”، أسطورة البعث في قصيدة “لعازر 1962” للشاعر خليل حاوي.

15