الشعر عائد لامحالة إلى صدارة المشهد الأدبي

الشاعر والمترجم المصري عبدالوهاب الشيخ: العزلة قرينة الشاعر.
الجمعة 2020/04/03
مواقع التواصل الاجتماعي ساعدت الشعراء

عزلة كورونا لم تضف جديدا إلى عالم الشاعر والمترجم المصري عبدالوهاب الشيخ، فهو يعيش في إحدى قرى محافظة المنيا بمصر، بعيدا عن صخب المدينة يقرأ ويكتب ويترجم ويتواصل مع العالم عبر مواقع التواصل الاجتماعي ومشاركاته في المؤتمرات والأمسيات الشعرية والنقدية. حول عزلته والترجمة والشعر ورؤاه وأفكاره كان لـ”العرب” هذا الحوار مع الشاعر.

قام الشاعر عبدالوهاب الشيخ منذ ما يقرب من عام ونصف العام بإطلاق صفحة “بيت النص” على فيسبوك، هذه الصفحة التي أضاء بها المشهد الشعري العربي والعالمي دون تحيز إلى مشهد شعري أو شاعر أو قصيدة، احتفى بالشعر والشعر وحده. ومع عزلة كورونا طوَّر الصفحة إلى مدونة وتوسع في الترجمة لكبار الشعراء في العالم، كما توسع في الاحتفاء بكبار الشعراء العرب.

وقبل هذا فقد قدم الشيخ العديد من الدواوين منها “خيط أريادنه”، و”غنوة البجعة”، وترجم مختارات لشاعرات من ألمانيا جاءت بعنوان “نون النسوة الألمانية”، و”رفة جناح” وهي مختارات من شعر ماريان ناكيتش، و”مراثي روما” لجوته.

بيت النص

بداية وحول تأثير العزلة على تطوير صفحة “بيت النص” إلى مدونة وكيف أن العزلة أتاحت له المزيد من الوقت للعودة إلى الترجمة وأبرز ما ترجمه، يقول الشيخ “العزلة قرينة كل من أراد أن يأوي إلى قلبه، فهي قرينة الشاعر والعاشق والصوفي ولعلّي أخذت بجانب من كلّ هذا، وهي أيضا خيار تعززه طبيعة المكان حيث الإقامة في قرية بشمال المنيا تجعل بدائل القراءة أو تصفح النت محدودة وأقل إمتاعا. ولكنّي انشغلت في الفترة الأخيرة بعمل مدونة نشأت عن صفحة ‘بيت النص’ تتجلى فيها خلاصة الإنتاج الأدبي لشعراء الصفحة وتعكس إبداعهم، ساعدني التفرغ على إتمامها بمساعدة ابني الأكبر يوسف في المرحلة الإعدادية الذي تولى عني الأمور التقنية”.

ويشير الشيخ إلى أن فكرة “بيت النص” واتته بعد غلق موقع “جهة الشعر” الشهير والذي كان له دور بارز حتى وقت قريب في التعريف بمنجز الشعر العربي المعاصر بسبب عدم توفر التمويل اللازم لاستمراره. ويوضح “كنت أريد إثبات أن الروح العالية ومحبة الشعر والرغبة في نشره وقراءته يمكن لذلك جميعه أن يعوض النقص في جانب التمويل، وبالفعل أثبتت التجربة ذلك بالتفاف العديد من شعراء وطننا العربي حول الصفحة ودعمهم لها”.

تراجعت موجة كتابة التفاصيل اليومية وموضة المشهدية وغيرها من التقنيات الشعرية التي استهلكها جيل التسعينات

وكون صفحة “بيت النص” اختصت بقصيدة النثر دون غيرها من الأشكال الشعرية، نسأله عن الأسباب، فيقول الشيخ “في الواقع صدر لي ديوانان نثريان أحدهما ‘خيط أريادنه’ والآخر ‘غنوة البجعة’، إلا أنني لا أعتمد شكلًا واحدًا من أشكال الكتابة الشعرية، ولا تتوقف ذائقتي على نوع واحد منها. أؤمن دومًا أن السياق الوجداني وحده هو ما يحدد شكل القصيدة، هكذا أتحرك بين الأشكال الشعرية المختلفة دون اهتمام بالموضة الشعرية السائدة، وأزعم أن تخلي الكثيرين عن كتابة قصيدة التفعيلة أفقدهم شعرية كانت متحققة بالفعل في نصوصهم السابقة”.

ويضيف “قناعاتي ربما تختلف عن اتجاهات الشعراء المعاصرين بعد احتلال قصيدة النثر لمتن الكتابة الشعرية، وبعد رحيل شعراء التفعيلة الكبار وآخرهم محمود درويش، وتوقف الأحياء عن إضافة جديد لمنجزهم الشعري. مع هذا ستجد أن ‘بيت النص’ قد احتفى بتجارب العديد من شعراء التفعيلة وقدَّم نصوصهم على مدار أيام متواصلة كالسياب وصلاح عبدالصبور وأمل دنقل ونزار قباني ومحمود درويش ومن الأحياء درويش الأسيوطي على سبيل المثال. حتى الشعر العمودي ستجد نماذج منه في ‘بيت النص’ باستمرار من خلال شعراء سوريا ومصر والعراق واليمن خصوصًا”.

ومن خلال تتبعه لمختلف التجارب الشعرية العربية يلاحظ الشيخ أنه كانت هناك فترة تحوّل فيها الكثيرون من كتابة الشعر إلى الرواية وإبراهيم نصرالله ومحمد ناجي مثال لذلك التحول، مع ترويج نقاد كبار لفكرة أننا نعيش في زمن الرواية. كل هذا أعطى انطباعًا بما أشرت إليه، إلاّ أنني ومن خلال معرفتي بالأدب الغربي أرى أن الحاكم هو التجربة ذاتها التي تقوم باختيار الشكل المناسب لها. هذا مفهوم هيرمان هيسه وجونتر جراس على الأقل، وكلاهما كتب الشعر بجانب القصة، ومثال آخر هاندكه الحاصل على نوبل في العام الماضي”.

ويتابع “نعم أرى أن الشعر عائد لتصدّر المشهد الأدبي من جديد، وهناك شعراء عديدون استطاعوا لفت الأنظار إلى خصوصية تجاربهم كوديع سعادة ونزيه أبوعفش وزكريا محمد ومحمد آدم ورفعت سلام وصلاح فائق وعلي منصور وعماد أبوصالح ومحمود قرني وإبراهيم داود وإيمان مرسال، وهناك كثيرون أخشى أن تفوتني أسماؤهم، وهناك أسماء حضورها كبير وفاعل رغم رحيل أصحابها كرياض صالح الحسين وسركون بولص وأمجد ناصر خاصة في ديوانه ‘حياة كسرد متقطع’.

وإن كان المشهد الأدبي يعاني بوجه عام، فمنذ الربيع العربي لم يقع في يدي عمل أدبي تمكن الإشارة إليه بوصفه تحولا في مسار الشعر أو الرواية، نحن الآن في مخاض كبير أرجو أن يسفر في القريب عن ملامح مختلفة عما كان سائدًا بداية من تسعينات القرن الماضي وما تلاها من سنوات، وهذا ما رجوناه في ‘بيت النص’ بالالتفاف حول الشعر ومحبته وفتح كل نوافذه وأبوابه للشعراء من كافة الأجيال”.

وأكد الشيخ أن مواقع التواصل الاجتماعي قد سهلت النشر ووفرت الاستجابة السريعة على العمل المنشور وأتاحت للشاعر قطاعا عريضا من القراء قد لا يتوافر في الصحافة الورقية وعددا وافرًا من النصوص والشعراء يتعلم عليهم ومعهم، فجعلت الشعر خبزا يوميا بعد أن كاد يصير كالقرابين المقدسة بين أيدي كهنته من النقاد والشعراء الذين توقفت نصوصهم عن التطور.

المشهد الأدبي يعاني بوجه عام
المشهد الأدبي يعاني بوجه عام

تأثير التصوف

يتحدث الشيخ عن تجربته وانتسابه إلى جيل التسعينات وانطلاق تجربة قصيدة النثر، قائلا “عمريًّا صحيح إلا أن أول ديوان لي صدر في 2006 وقد انحسرت موجة كتابة التفاصيل اليومية وموضة المشهدية وغيرها من التقنيات الشعرية التي استهلكها هذا الجيل، الذي ستجد أن معظم شعرائه في حواراتهم يشيرون بوضوح إلى تأثير عملين أساسيين فيهم ‘حياة قرب الأكربول’ لسركون بولص و’بسبب غيمة على الأرجح’ لوديع سعادة، مع تنكر ظاهر لبداياتهم التفعيلية ــ إن وجدت ــ على اعتبار أن الشعر قد انتهى عند قصيدة النثر إن لم يكن قد بدأ بها، هذا الجيل هو نفسه الجيل الذي رد غربة الشعر، وأنزل الشاعر من مقعد التنظير ليتفرغ لقصيدته بعيدا عن قيد المقولات الجاهزة والمصطلحات النقدية”.

ويوضح الشيخ “بالإضافة إلى مجموعة من قصائد جوته وأنطولوجيا لعدد من الشاعرات الألمانيات فقد ترجمت أيضا ‘رفة جناح’ مختارات من شعر الشاعر الكرواتي ماريان ناكيتش. جوته صاحب ‘مراثي روما’ شاعر عظيم تأثرت كثيرا بمراوحته في نصوصه بين ما هو حسِّي كما في ‘مراثي روما’ وما هو روحي في ‘الديوان الشرقي’، وإن كانت حسِّيته تلك تحمل في باطنها دوما ذاك الحنين الخفيّ إلى المطلق”.

وارتباط الشيخ بالتصوف ليس ارتباط قراءات في كتب التصوف ولكن علاقة روحية ووجدانية في الحياة، ويتحدث الشاعر إلى “العرب” حول تأثير التصوف على تجربته الشعرية فيقول “أعتقد أن كلمة المتصوف ذاتها غريبة على أهلها فستجدهم يفضلون كلمات كـ’الفقير’ و’السالك’ عليها”.

ويؤكد الشيخ أن الاشتباك مع النصوص الصوفية خاصة في حالة شعراء بحجم أدونيس يغني نصوصهم دون شك، لكنه يقف بها دون طرق تلك الأبواب المغلقة على المعاني العظيمة التي امتاح منها المتصوفة الكبار كابن عربي والحلاج والرومي متسائلا “أنَّى للشاعر الولوج دون فداء؟”.

ويضيف الشيخ “التصوف في بداياته كان أميل للعزلة والتأمل وصوغ المعارف والخبرات الوجدانية في مقولات شديدة التكثيف، ثم نشأت بعد ذلك الموسوعات الصوفية على يد الحارث المحاسبي وأخذ العارفون يدونون مواجيدهم وواردات قلوبهم حتى جمع الشيخ الأكبر كل علومهم وقعَّد لها في كتابه الأشهر ‘الفتوحات المكية’. ولم تنشأ الطرق الصوفية كما نعرفها الآن إلا فيما بعد عندما سقطت الخلافة العباسية.

15