الشعر فوق كرسي

مسار لطيف بدرام يحتفظ بخصوصياته المذهلة والمؤلمة، التي ينسجها وضعه كشاعر وكسياسي ينتمي إلى أفغانستان، البلد الذي  يعرف منذ عقود مآلات لا تقل ألما.
السبت 2018/03/31
لطيف بدرام لم يحقق التغيير الذي كان يأمل فيه

تلقيت قبل أيام رسالة من لطيف بدرام يُبدي فيها امتنانه لي لنشري الحوار الذي كنت قد أجريته معه، ضمن كتابي الأخير “يتلهون بالغيم”، والذي يضم حوارات مع شعراء من العالم.

وكنت قد تعرفتُ إلى لطيف بدرام قبل سنوات خلال المهرجان العالمي للشعر بمدينة تروا رفيير الكندية. وكانت إدارة المهرجان قد منحته فرصة توجيه كلمة إلى الشعراء، تحدّث فيها عمّا يقع بأفغانستان. كان يبدو بهندامه الأنيق وبربطة عنقه وبلغته الفرنسية الصافية كمواطن أوروبي بامتياز، بحكم إقامته كلاجئ سياسي بباريس، ثم ببلجيكا.

ويحتفظ مسار لطيف بدرام بخصوصياته المذهلة والمؤلمة، التي ينسجها وضعه كشاعر وكسياسي ينتمي إلى أفغانستان، البلد الذي  يعرف منذ عقود مآلات لا تقل ألما. التحق لطيف بدرام بشكل مبكر بالعمل السياسي ضمن صفوف القائد مسعود، ثم انتقل في مرحلة ثانية إلى النضال ضدّ وجود الطالبان.

وخلال هذه المرحلة، تحمّل مهمة نقل ما تبقى من مخطوطات مكتبة ناصر خسرو- الحكيم الذي عاش خلال القرن السادس- إلى الجبل، وذلك بعد أن أقدم الطالبان على إحراقها وعلى قتل موظفي المكتبة ورمي جثثهم في النهر.

وبعد مدّة على لقائنا، قرّر بدرام العودة إلى كابول للتقدّم إلى الانتخابات الرئاسية، ببرنامج طموح يسعى إلى تحديث البلد. ويبدو أن لطيف بدرام صدق حينها حكاية التغيير التي لوّح بها العهد العالمي الجديد، غير أن حميد كرزاي فاز بمنصب الرئاسة، بينما احتل بدرام الصف الثالث، لأن الأميركان أرادوا ذلك.

الآن يعيش لطيف بدرام دائما بكابول مختبئا من ميليشيات الطالبان، التي لم تغفر له صداقته السابقة بالقائد مسعود ومن ميليشيات النظام القائم، التي لم تغفر له مواقفه المعارضة.

لم يحقق لطيف بدرام التغيير الذي كان يأمل فيه، سواء عبر الوصول إلى كرسي الرئاسة أو عبر القصيدة. فالبلد لم يستطع الخروج من دوامة التفجيرات اليومية. غير أن الصورة تعبر عن جانب من وضع الشعر إزاء السلطة، إذ أن القصيدة كانت تبدو خلال قرون طويلة الأقرب إلى كرسي السلطة، سواء لكونها تختار الانتصار فقط للقضايا العادلة أو لكونها تختار أن تكون في خدمة الكراسي أو أن تستقر، على الأقل، جنبها.

ولذلك، لا يبدو مدهشا، على سبيل المثال، أن يكون أوباما قد بدأ حياته العامة كشاعر، حينما نشر نصه الأول بوب في سن العشرين. ولعل ذلك ما يطبع مسارات أغلب رؤساء الولايات المتحدة الأميركية، ابتداء من جون كوينسي الذي أصدر ديوانه “غزوة أيرلندا”، إلى جفرسون، إلى لينكون، ثم إلى جيمي كارتر، دون أن تضم اللائحة بالطبع لا بوش الأب ولا الابن ولا ترامب.

أما الأغرب فهو أن يلجأ بلد ككندا إلى تخصيص منصب للشاعر الرسمي للبلد، يتم التباري عليه كل سنتين. وبالطبع، لا يهم الأمر بعض شعرائنا الذين اعتادوا اقتفاء الجوائز حتى لو كانت في كندا.

15