الشعر في دفاعه عن الحياة

الاثنين 2017/05/22

كنّا، على المنصة، شعراء خمسة من بلدان مختلفة. وكان الحديث بيننا عن الشعر والسلام، على هامش مهرجان أسكي شهير الدولي السابع للشعر في تركيا للفترة من 11-14 من هذا الشهر. حين جاء دوري للحديث وقف بيني وبين كلمتي القصيرة، التي أعددتها للقراءة، هاجسٌ محزنٌ كاد يبعدني عن اللحظة التي كنت فيها.

الورقة وحدها لا تعني شيئاً. هكذا فكرْت. ثمة بقيةٌ لحديث النفس تقع خارج السطور المكتوبة. وثمة جرحٌ لا أقوى على دعْكِهِ لأنني لا أقوى على تحمّل النزيف حين يندلع في أية لحظة. ألا يبدو الأمر وكأنه مفارقة مثيرة للألم وللأسئلة حين يتحدث شاعر عراقي عن الشعر والسلام، وهو قادم من بلد يغرق كل يوم في آبار الدم والفجيعة؟

وبينما كان الجمال يملأ النهار كله، في هذه المدينة الرائعة، ويعبر عن نشوته الكبرى خارج القاعة، كنا نتحاور حول الشعر، وعلاقته بالسلام الذي يتوطد إحساسنا بغيابه كل لحظة. ولكنني من جهة أخرى كنت أرى أن الاستجابة، حتى النهاية، لهواجس النفس حين تلتصق بالآنيّ والطارئ تلحق الكثير من الأذى الجماليّ بالقصيدة. لا بد أن نتذكر دائماً أن للقصيدة طرقها الخاصة في التعامل مع هذه اللحظة، التي تنحدر فيها الحياة إلى أقصى مدياتها.

كانت القصيدة العراقية في رصدها لانهيار الحياة وهيمنة القبح والموت قد بلغت أبعد تخومها في الموقف الإنسانيّ وفي المحافظة، قدر ما تستطيع، على رهانها الجماليّ. مع أن قصائد أخرى لم توفر لاستجابتها ما ينعش شعريتها، أو يخفف من صراخها العالي. فكأنها كانت تسعى إلى إرواء غليل النفس والتنفيس عن غيظها المحتشد بالرفض والعذاب.

يظل الشعرُ مسكوناً بدعوةٍ من نوعٍ ما، واضحةٍ أو متخفية، إلى الجمال والفرح الإنسانيّ مهما تعددت اهتماماته واختلفت أشكاله ومستويات أدائه. وهو ارتباطٌ بالسلام والمحبة. أما القبحُ والجريمةُ، فهما الحصادُ المرُّ والحتميُّ للحرب، وأعمالِ الكراهية، وما تفرزه من مذابحَ وتهديمٍ لعناصر الحياة.

ولا شك أن الحرب لحظةٌ حمقاء، وشذوذٌ عن السياق الإنسانيّ المتوازن في الفعل والقول والنوايا. وهي انفجارٌ خطيرٌ لغريزة الموتِ والهمجيةِ وإبادةِ الآخر. وهذه اللحظةُ الاستثنائيةُ الشاذة، كما نعيشها الآن في العراق وفي أكثرَ من بلدٍ عربيّ آخر، هي النقيضُ المطلقُ لكل شيءٍ جميلٍ وإيجابيٍّ على هذه الأرض.

وقبل أكثر من ألفي عام ، وقف شاعر جاهلي حكيم ، بعد أن رأى الحربَ تشتعل في كل مكان، فتأكلُ الشجرَ والناسَ والحجارة، فلا يعود على الأرض حياةٌ تُعاش، ولا جمالٌ يمكن تذوقه. في تلك اللحظة التي فارق فيها الناس منطق الحكمة وحصافة الرأي، لم يجد زهير بن أبي سُلمى أجملَ من الشعر طريقةً لإعادة البشر إلى عقولهم، ولم يجد خيراً من الخيالِ البليغِ للدفاع عن الحياة والجمال حين يتعرضان للقبحِ والإبادة.

كانت القصيدة لديه أقوى من السيف، وأكثرَ تأثيراً من غريزة الموت وحماقة العدوان. كانت إدانة الحرب لفِعْل الحرب وتبشيعاً لصورتها، في عيون الناس، وهي تجهز على الحياة وتنشر، على أنقاضها، القبح والموت والضغينة. وهكذا أفلح ذلك الشيخُ، الشاعرُ، الحكيمُ، في الدعوةِ إلى الألفة، وإشاعةِ المحبةِ بين الناس عن طريق الشعرِ وقوتهِ الرفيعةِ المؤثرة.

شاعر عراقي

14