الشعر لا تصنعه القراءات فحسب

نبيل ياسين: الشاعر يتمرّد باسم الصامتين ولا يمكن له أن يكون شاعرا سياسيا ويكتفي بذلك.
الخميس 2018/08/23
الشعر يكتب في لحظة تتوارى وراء الوعي

ترتحل تجربة الشاعر العراقي نبيل ياسين الشعريّة ما بين فضاءات عدّة، من الخاص إلى العام، ومن السياسي إلى الجمالي والكوني.. تجربة ثريّة بدأت منذ أكثر من أربعة عقود وقد أثمرت العديد من الدواوين التي جمعها الشاعر في مجموعة أعماله الكاملة مؤخرا، ورصد تفاصيل ميلادها في سيرته الشعريّة والذاتيّة “أوجاع الوردة”. “العرب” كان لها حوار مع الشاعر عن سيرته الثرية

عقود طويلة قضاها الشاعر العراقي نبيل ياسين متنقلا ما بين المنافي، إلا أن شعره ظل قابعا هناك في العراق، ظل طيلة مسيرته الشعرية قابضا عليه في قصائده خشية أن يفلت منه وتهمله ذاكرته، إلى أن جاءت الفرصة ليعود إليه عام 2007 بعد ثمانية وعشرين عاما من المنفى.

 كان ما سجّله في ذاكرته عن بلده قد اندثر ولم يعد له وجود، وجد أنه قد انتقل من منفاه إلى منفى آخر إلا أنه ظل مُتمسكا بألا تلفظ ذاكرته الوطن. كتب: “هذا العراق، عراقي الشخصي، لا ملك عليه، ولا رئيس سواي، أعطيه أغنيتي ومنفايٓ الكبيرٓ، وأصطفيه خليلٓ أيامي، وما ملكت يداي”.

سيرة القصيدة

في حديثه مع “العرب” يتطرق ياسين إلى تجربة المنفى وتأثيرها في شعره. يقول “كم هو صادم أن يكون شعرك قد فقد الأمل بسحره، وكم هو فاجع أن يكون الوطن حطاما على الأرض وحلما في ذاكرتك؟ لا أزال منفيا. المنفيّ هو ذلك الإنسان الذي ينتظر العودة إلى وطنه. المنفى يعيد بناء الوطن البعيد. والوطن في الذاكرة يقاوم معاول المنفى. تلعب اللغة دورا عميقا ضد المنفى فيما يلعب المنفى دورا تخريبيا ضد اللغة”.

مؤخرا، صدرت في القاهرة عن دار “صفصافة” للنشر السيرة الذاتية والشعرية للشاعر العراقي نبيل ياسين بعنوان “أوجاع الوردة”. يمزج فيها ما بين مسيرة حياته وعمله السياسي وظروف ميلاد قصائده وخروجها إلى النور.. يعتبر ياسين “أوجاع الوردة” سيرة لمنابع ومصادر قصائده وأفكاره، هذه السيرة هي الوعي واللاوعي، المحسوس واللامحسوس الذي يحول الكلام إلى شعر.

يرى ياسين أن الشعر فيض، وهذا الفيض ينبع من الموجودات، من النهر الذي يخترق المدينة معطيا لها السحر في الليل حيث كل الحيوات والكائنات تحت سطحه في المياه المتلألئة بفعل مصابيح الجسر، حتى الجنيات اللواتي يسبحن ثم يخرجن إلى سطح الماء ليمشطن شعورهن السوداء بأمشاط خشبية، الشبابيك والشرفات التي تمد القصائد بالصور والأشكال والإلهامات المتحركة، من الأشجار والطيور والطفولة والأزقة، من الناس والأشياء، كل ذلك مصادر ومنابع للشعر، للسحر الذي يمارسه الشعر.

“أوجاع الوردة” جاءت لتكون تأويلا روحيا لما هو مادي وموجود حتى يكون روحيا وعاطفيا في الشعر.

تأويل روحي لما هو مادي وموجود
تأويل روحي لما هو مادي وموجود 

بالنسبة إلى ياسين، يمكن القول إن كل ما قبل كتابة الشعر هو وعي ومادة، محسوس ومرئي، معيش ومجرب، ولكن ما إن تبدأ كتابة الشعر حتى تذوب كل تلك المحسوسات والمجربات والمرئيات والموجودات وتنحل مثل قطرات الندى وتتحول إلى شعر، ينتهي دورها حالما تبدأ الكتابة، تتحول إلى مصادر وليس إلى أصل. فالشعر لا تصنعه القراءات فحسب، فهذه القراءات تشبه تعلم اللغة في الطفولة، فبعد ذلك لا يعود تعلم اللغة ذا شأن وإنما كيف تكتب وتفكر وتقرأ.

يقول ياسين “ليس هناك وعي لحظة كتابة الشعر، جربت أن أكون واعيا لدى كتابة القصيدة، فلم أستطع الرحيل في طريق القصيدة فأهملت كل لحظة واعية، لأن ما يأتي من هذا الوعي ليس سوى تصميم سيء وهندسة عشوائية مشوهة. الشعر إلهام كما أقر بذلك أرسطو، وهو تجربة كما قال أرشيبالد ماكليش، وضرورة كما قال كوكتو، ولكن كل ذلك يرتبط بزمكان الشاعر ورؤيته وقدرته على ممارسة السحر والعيش في فيض يختص به وحده”.

مصادر الشعر

يعد ياسين صاحب تجربة سياسية ظهرت تجلياتها وتأثيراتها على ما كتبه من قصائد. يوضح أنه ليس لديه تجربة سياسية بالمعنى الحزبي والأيديولوجي. فهو مثقف تنويري في بلد يمارس فيه السياسيون أدوارهم الظلامية في السلطة وخارجها. متسائلا “مَنْ من الشعراء نجا من ثورية الستينات والسبعينات؟ كانت كل قضايا ما أسميناه حركة التحرر الوطني مشتعلة”. فالشعر، كما يقول، مقيم والسياسة مترحلة، لا يمكن لشاعر أن يكون شاعرا سياسيا ويكتفي بذلك.

ويعد ديوان “البكاء على مسلة الأحزان” هو الأول في مسيرة الشاعر. يقول عنه “كان فيضا من فوضى الإقامة في الشعر يوميا. لا أتذكر أن يوما مرّ قبل صدور الديوان، دون أن يكون يوما شعريا، قراءة وكتابة وإلقاء”.

في “البكاء على مسلة الأحزان” كانت هوامش لأغلب القصائد التي استعارت أقنعة الحلاج، وصالح بن عبدالقدوس، وبشار، وغيرهم من الشخصيات التي واجهت مصائر ثوراتها وقناعاتها، وكانت تلك الهوامش معتمدة على مصادر ومراجع الشعر والتاريخ والسير، وربما كانت تلك التجربة أول تجربة في استخدام المراجع للقصيدة.

لكن ما هي أهمية ذلك الديوان في حياته الشعرية؟ إنه الأهم رغم أنه لم يعد سوى التجربة الأولى، حيث الثورية الشعرية والغنائية العالية والاحتجاج والتمرد والرفض والصراخ بصوت عال ضد فقدان الحرية وضد غياب العدالة.

للأسطورة في قصائد ياسين حضور جليّ وثري. ويعتقد الشاعر بأنه “لو لم تنشأ الأساطير ما كنا استطعنا الحياة بدونها، ليس لأنها تصنع مخيلتنا فحسب، ولكن لأنها بالضبط الحياة الأخرى التي كان علينا أن نحياها مع من عاش فيها آنذاك. الأسطورة السومرية أو البابلية، أي الأسطورة الرافدينية ليست فقط مهد البشرية الثقافي والحضاري وإنما هي قدرة الإنسان على خلق عالم آخر كما يريده هو لا كما تريده الآلهة فقط”.

يلفت ياسين إلى أن الأسطورة تجلت في شعره، خاصة في ديوان “صهيل في غرفة” الذي صدر عن الهيئة العامة للكتاب في القاهرة عام 2002، باعتبارها مادة حياتية وليست إعادة إنتاج لها، فالحياة في الأسطورة هي الحياة في الفيض البشري الذي تجلى وفاض في مواجهة العالم غير المفهوم وغير المحتمل.

كذلك نجد أن الزّمن موضوع أساسي في شعر ياسين حيث يرتبط عنده الزمان بالمكان. إنه زمان يملأ فضاءات الكثير من قصائده. الزمن يتجمد ويتحول إلى جسور كما في مقطع “جسور الرصافة والكرخ أزمنة جامدة/ وبغداد آخر أمكنة الله حين تقوم القيامة/ ويعلو الضجيج”. في قصيدة “الإخوة ياسين” يبدو الزمن متوحدا مع المكان “في الطريق إلى قبر ياسين، أوقفني الزمنُ الممتد عند الضفاف/ الزمانُ قصيرٌ/ وأنا أهرم في وحدتي/ وتكتهل الروحُ في ورطتي”.

يرى الشاعر العراقي أن الشعر حاليا يقل ولكن مصادره تتسع. لذلك يصبح أكثر صعوبة رغم هذا الكم الهائل من الكتابة النمطية، التي يقلد بعضها بعضا وكأنها قالب، قالب لصب اللغة فيه، هذا وعي زائف عن الشعر مهما كثر الكلام عن الحداثة وما هي الحداثة وما هي ما بعد الحداثة؟ ليس هناك مجانية في تناول المصطلحات كما في بلداننا.

وإذا مضينا مع ماكس فيبر لنزع السحر عن العالم حتى نتحدث عن الحداثة والعلمانية فإننا سنكون قد مارسنا الضحك على أنفسنا وعرضناها للسخرية إذا اعتبرنا ما نكتبه من شعر اليوم هو البرهان الوحيد على حداثتنا فيما نغرق حتى أعناقنا في قداسة سحرية تمتد من السياسة حتى نمط العيش المغلق، إذ تحدد القداسة حتى طريقة دخولنا إلى الحمام.

15