الشعر محاولة للقبض على العالم وتجريده من كل شيء

“كركوك مدينة الضياء والنور” هكذا كان يحلو للشاعر الأب يوسف سعيد، -أحد أعضاء جماعة كركوك- أن يسميها، فهي مدينة بابا كركر حيث النار الأزلية تشتعل منذ آلاف السنين، فللمدينة خصائص تتميز بها عن باقي المدن العراقية ببنيتها الأنثروبولوجية وتنوع الأديان والأعراق فيها، فهناك التركمان والأكراد والعرب والآشوريون والكلدان والأرمن والصابئة وكذلك العديد من الأديان والأقليات العرقية الأخرى، هذا التنوع الإثني أدّى إلى امتزاج العادات والتقاليد وتلاقح الثقافات وتفاعل اللغات بين أفرادها، وكلنا يعلم التأثير الأدبي لجماعة كركوك في الأدب العربي. “العرب” التقت الشاعر العراقي عدنان عادل ابن كركوك للحديث عنها وهي التي علمته أن ليس للإنسان سوى هوية واحدة هي الإنسانية؛ فكان لنا معه هذا الحوار.
الثلاثاء 2015/11/03
لا أستطيع أن أكتب نصا لم أعشه ولم أره أو أتذوقه

ولد الشاعر العراقي عدنان عادل بمدينة كركوك في قلعتها الشامخة وسط المدينة عام 1971، وعاش في زواريبها قصص التسكّع الأولى، فاكتسب منها العبث الأزلي المتبقي في شعره أبجدية ينقلها عبر مقاطع صوتية تختزن كل ذلك التنوع بين جنباتها.

عدنان عادل يقضي اليوم فترة استضافته في بيت الكتّاب بمدينة أنتويرب البلجيكية حيث يقيم نادي القلم الدولي في إقليم الفلاندر برنامجا ثقافيا لبعض الكتّاب باللغة العربية، يقول عن نفسه إنّ نصفه كردي لأبيه ونصفه تركماني لأمّه، بينما يجد في الشعر العربي ضالّته للتعبير عن وجوده وما يختلج في نفسه، فالشعر العربي عنده ليس قضية عربية بحتة بل يتعدّى ذلك إلى همّه الإنساني، مستندا إلى كون كبار فقهاء اللغة العربية في عصور الذروة لم يكونوا من أصول عربية.

ميلاد الشعر

يقودنا الحديث إلى جماعة كركوك، فيتذكّر ضيفنا الأسماء، فاضل العزّاوي، مؤيد الراوي، الأب يوسف سعيد، جليل القيسي، سركون بولص، وغيرهم من الذين يراهم ضيفنا قد اتّخذوا من نواحي كركوك مدارسهم الحقيقية، وهي التي تعلموا فيها مرتكزات التمرّد على الثقافة السائدة ونمط الحياة، ولا يزال أثر ذلك ماثلا إلى اليوم إذ تناقلته الأجيال اللاحقة وتبنّت فكرة حالة كركوك.

يعترف عدنان عادل أنّ لميلاد القصيدة عنده قطبين يقومان على ثنائية الإنسان والعالم، الإنسان الأعزل والعالم المسلح بالموت وبكل وسائل الأنظمة التقليدية التي وجدت لقهر الإنسان، يتساءل ماذا ينبغي للإنسان فعله في هذا العالم؟

تبرز هنا القصيدة كحدث سري منعزل ومشاغب يحاول فيها الشاعر المناورة والدفاع عن نفسه وعن العالم باعتماده على فعاليتي الإطاحة والهدم من خلال النظر إلى دواخل نفسه باعتبار مصدر الألم والشر والشقاء مجهولا بطبيعة الحال ولا قدرة له على محوه.

الشاعر يتوجه نحو الأشياء المحيطة به ليفهم طبيعتها ويكتشف علاقتها بالعالم، ومن خلال ذلك يكتشف نفسه

الشعر عنده محاولة للقبض على العالم وتجريده من كل شيء ووضعه داخل شكل محكم في مساحة ضيقة، ليبنى على صور حسية، فالعلاقة العضوية بين الصور المتلاحقة والأحاسيس التي أنتجت تلك الصور تؤدي إلى المعنى المراد تبنيه، والصورة الشعرية المنعزلة عمّا تليها يراها عدنان عادل تخفق في إيصال المتلقي إلى المنطقة المرجوة حيث تلتحم السماء والأرض ويصبح الكون/ النص كتلة واحدة.

الشاعر عند ضيفنا يتوجّه نحو الأشياء المحيطة به ليفهم طبيعتها ويكتشف علاقتها بالعالم ومن خلال هذا الفهم والاكتشاف للشيء المعني، يكتشف نفسه وبالتالي يفهم ما يجري حوله ويحدد مكانه في الكون، يضرب أمثلة عن فكرته، فالسياب مثلا فهم العالم من خلال فهمه لبويب، والجواهري من خلال علاقته بنهر دجلة، وفان كوخ اكتشف العالم من خلال زهرة عباد الشمس، ورامبو وجد ضالته في التشرد والترحال، ومودلياني من خلال عنق حبيبته جيني، من هنا يردّ عدنان عادل على اختياره “أناشيد الضفادع” اسما لديوانه الثاني حيث كان يقصد جدولا مهملا في كركوك ليراقب ويستمع إلى نقيق الضفادع، الذي كان بمثابة استغاثات لا جدوى منها كما رآها لحظتها، تلك اللحظة التي تحوّلت إلى تكثيف جعل الشعر والضجيج الجميل الذي تصدره الضفادع أمرا واحدا.

الحرية المطلقة

إعادة إنتاج اليوميات في القصيدة من خلال التفاصيل الصغيرة، تلك طريقة عدنان عادل في خلق الشعر، عن ذلك يعترف أنّه لا يستطيع أن يكتب نصا لم يعشه ولم يره ولم يتذوّقه، فحواسّه كلّها مستعدة لتقبّل العالم شعريا، يذكر هنا مقولة هيدغر “نحن متواجدون شعريا على هذه الأرض”، فكل ما هو موجود ضمن النشاط الإنساني يدخل عند ضيفنا في اليومي، حتى الثورات والحروب التي أصبحت مادة يتداولها الإنسان يوميا، الحب والموت والعلاقات الإنسانية كلها مفردات يتعامل معها كما يتعامل مع السرير والباب والكأس والشارع، ففي الشعر يحاول أن يقول أشياء معروفة ويذكر أحداثا معيشة ومتداولة لدى الجميع، ولكنها ما إن تتحوّل إلى قالب شعري متماسك حتى يصبح لها أثر ووقع في حياة الآخرين.

القصيدة حدث سري منعزل

عدنان عادل يخوض غمار الشعر اليوم متسلّحا بدراسة الفلسفة حيث يحضّر أطروحة الماجستير في الفلسفة والأدب بجامعة بروكسل، فعن أثر الفلسفة في قصيدته يرى ضيفنا أنّه بمقدور الفلسفة أن تجعل من العالم شيئا مفهوما بتعاملها مع الحقائق وتفسير العالم عن طريق الأدلة والبراهين، لكن للشعر دورا آخر وهو أن يجعل المتلقي يشم ويتحسس هذا العالم دون الحاجة إلى تطبيق المفاهيم الفلسفية من الاستقراء والاستنتاج والبرهان، فمن خلال دراسته للفلسفة استطاع تسليح نمط تفكيره وقابليّته الذهنية لهدم التابو المهيمن في الثقافة العربية والإسلامية كما يسميه، فضلا عن طرح الأسئلة الكبيرة عن مغزى الوجود الإنساني ومدى فاعلية الإنسان في هذا العالم، من دون خوف أو تردد، وصولا إلى لحظة الاندهاش من الأمور التي تجري في الحياة اليومية والنظر إليها بشكل مغاير دون الأخذ بالطروحات والأحكام المسبقة، من خلال الشك في كل شيء وتناول الأشياء بعفوية كأنها ولدت للتو والزجّ بها في النص، وتوظيف اللامنطقية في تركيب الجمل الشعرية، باعتبار اللامنطقية نمطا من الجهد العقلي المنظم، ومحاولة للاستعانة بمنطق جديد يتناول العلاقة الجدلية المركبة بين الأشياء والعالم المترامي حولنا، بشكل يستطيع الشاعر من خلاله أن يحافظ على التماسك الحتمي للنص والوحدة العضوية بين دلالاته.

عدنان عادل الذي درس الفلسفة في جامعة بغداد وأصدر مجموعته الأولى “متر مربّع واحد” عام 2000 تحت اسم مستعار تحايلا على السلطة الحاكمة آنذاك في العراق، ليغادر بلاده عام 2002 وصولا إلى بلجيكا عام 2004، حيث يقيم اليوم، وليصدر عام 2009 ديوانه الثاني “جسد مسمّد بالترقب: أناشيد ضفادع”، ويعود طالبا على مقاعد الدراسة باحثا في قضايا اللغات الشرقية، أنجز مؤخّرا عمله السردي الأوّل في بنية رواية سترى النور قريبا، وعن خطواته نحو عالم السرد يقول إنّه من خلال تجربته في كتابة النصوص الشعرية، تبين له أن بعض النصوص تتفاعل أكثر مع ذاتية الكاتب التواقة إلى التحرر والمضي إلى عوالم أوسع، لتتخذ هيكلا جاهزا لبناء رواية، ليجد النص الشعري ينحرف منذ الأبيات الأولى نحو مسار سردي في حركة هارمونية تغريه بأجوائها وشخصياتها، وتدفعه تلك الرغبة إلى المضي وخلق حقل من الأجواء والأماكن والشخصيات والفضاءات التي يعجز عن بنائها في النص الشعري، ويختم بوصف خطوته في بناء الرواية بالتوق نحو الحرية المطلقة التي دفعته إلى إكمال منجزه الأول روائيا.

15