الشعر مغامرة كبرى محفوفة بخطر جميل

كثيرا ما ردد الشعراء والنقاد عبارة “الشعر خطر”، فلم نتساءل يوما عن معنى الخطر الذي يقصدونه، رغم ما تحمله هذه العبارة من دلالات، كما تحمل بعضا من عمق معنى تلك الخطورة التي قد نراها ونستشفها من ذلك الزخم الذي نشهده في المشهد الثقافي الراهن، وخصوصا المشهد الشعري في العالم العربي الذي سطعت فيه أسماء رغم تواضع تجربتها، بل وندرة ما يكتبونه، لذا كان علينا أن نطرح سؤال: لماذا الشعر؟ ولماذا هو خطر؟ في هذا التحقيق نرصد البدايات الأولى لمجموعة من الشعراء المصريين الذين يروون تجربتهم مع الشعر وإعلان أول ديوان في رصيدهم.
السبت 2016/11/05
الكتابة الشعرية ليست محاكاة

رغم العديد من العراقيل التي تواجه الأصوات الشعرية الشابة، إلا أن كلا من تلك الأصوات التي اختارت الشعر، ما فتئ يعلن عن نفسه مع أول ديوان شعري له ويروي تجربته مع بداياته على طريق الشعر، ولماذا جاء اختياره لهذا المسلك حتى يكون نافذته على العالم.

الكتابة قدر

تروي الشاعرة ديمة محمود شهادتها عن الشعر ولماذا الشعر، فتقول “إذا كانت الكتابة قدرا لم يكن ليفرّ مني لولا أنني فررت منه فإن الشعر هو الحتمية التي ولدتُ بها وراودتني في العاشرة فافتُتنت به كتابة وقراءة واستماعا وحفظا وإلقاء.

وحين انفلت طوفانه بلا حسبان على مشارف الأربعين حاملا الاختلاف والتضاد كان خلقا جديدا لما عجنت به ذاتي على مدى سنوات ليست قصيرة من خلال قراءات وتجارب حياتيه مختلفة، فلم يكن ما أكتبه ليبدو وليدا أو طارئا حتى اعتقد كثيرون أنني أكتب منذ زمن. ووجدتْ نفسي في هذه الضفة من العالم الخاص جدا الذي تنعزل فيه عن الصخب المادي بكل أبعاده التي تستنزف المكون النفسي والروحي والفكري للذات”.

وتضيف الشاعرة “كان تحليقا محفوفا بالفرح والتحديث ولم يكن مخيفا لأنني ألِفتُ التمرد على محيطي فاتخذت قراراتي الصغيرة والكبيرة بصوتي النشاز وبمفردي منذ مواجهتي في الثامنة لمعلمة اللغة العربية بخطئها في كتابة إحدى الهمزات مرورا بصراخي في الثانية عشرة في وجه أمي لأوقفها عن الاستسلام للتسلط لأنه يجر إلى المزيد من الاستقواء والإهانة”.

وتتابع قولها “بعد خمس سنوات من الكتابه الحثيثة والجادة أتى مولودي الأول ديوان ‘ضفائر روح’ محملا بالدفق الوجداني المكثف الذي يحمل الكثير من روحي التي عادت مختمرة بمكنون معرفي ليس هائلا لكنه معقول جدا ليدرك الكثيرون من خلال نصوصي بأنّ ثمة طاقة إبداعية استوى عجينها على سوقه بما تحمل من لغة ورؤية وهوية، وهي لا تنفصل بحال عن إيماني بأن الكاتب لا يصلح أن يكون أو يُصيّر هلاما”.

يروي محمد القليني تجربته مع الشعر فيقول “ليست لي تجربة متميزة مع الشعر، ولا حتى تجربة طويلة، فقد بدأت كتابة الشعر منذ ثلاث سنوات تقريبا.

ماذا كنت أفعل من قبل؟ كنت أقرأ الرواية، وأكتبها، في درج مكتبي روايتان لم يطالعهما أحد، ولن يطالعهما أحد، لا أشعر فيهما بكتابة مفارقة، أو بآليات سرد مغايرة، لذلك سيظلان في درج المكتب إلى الأبد، لن أتخلص منهما، سأتركهما يذكراني بأنني روائي في الأصل، وأنه عليّ أن أكتب رواية جيدة في يوم ما.

الآلاف من قبلنا كتبوا الرواية والشعر، وما أؤمن به أن على الكاتب ألا يكرر ما قد كتب، أي أن يخلق لفنه آليات جديدة، ووجهات نظر جديدة، أن يصيب القارئ بدهشة وصدمة، أن يهز إيمانه بكل ثوابته القديمة، إن لم يصدمني الكتاب الذي أطالع له فلا حاجة ملحة لإكماله. قرأت أغلب التجارب العمودية والتفعيلية، ثم اتجهت إلى كتابة قصيدة النثر، شعرت أن هذه القصيدة هي الأقرب للشارع، نعم، أحاول أن أكتب قصيدة تتماس مع رجل الشارع العادي، وأن أخلق جسرا بينها وبينه”.

ويضيف االقليني “يقولون إن الشعر نخبوي! أنا لا أؤمن بذلك، لماذا نخلق فجوات بين الإبداع والمتلقي العادي والبسيط؟ لماذا نحرمه من مشاركتنا المتعة؟ ما حاولت أن أفعله هو أن أكتب قصيدة جيدة، أقول جيدة، لكنها في نفس الوقت ليست متقوقعة داخل نفسها، يسمعها سائق الميكروباص فيفهمها، بل ويحبها، ويسمعها عامل النظافة فيناقشني فيها، بل ويضيف إليها، قديما كان الشعر يجري فوق ألسنة الجميع، الناس كلهم كانوا شعراء، فما الذي حدث؟ الرهان الآن على قصيدة النثر، هي الوحيدة القادرة -من وجهة نظري التي تحتمل الخطأ قبل الصواب- على أن تعيد القارئ العادي إلى الكتاب، ولا يعني ذلك أبدا أن يتنازل الشاعر عن طرح مشروع في كتاباته، ولا عن أن يكون صاحب همّ ورؤية، أنا لا أقول ذلك، ولا أسعى إلى أن تكون كتابتي خالية من المشروع والرؤية”.

ويتابع قوله متسائلا عن ماهية الشعر “ما هو الشعر؟ أنا لا أعرف تعريفا محددا له، كل ما أعرفه أن الشعر هو المشجب الذي أعلق عليه هزائمي، فالهزائم هي التي صنعت تجربتي. قدمت مخطوط ديواني إلى جائزة أخبار الأدب، ففاز بها بفضل الله، ثم تولت دار العين مسؤولية طبعه وتوزيعه، وبفضل الله أيضا وجد الديوان ردود فعل جيدة، وهكذا خرج ديوان ‘أركض طاويا العالم تحت إبطي’ إلى النور”.

اختزان الرحيق

عن الشعر والنشر تروي أمل جاد الرب تجربتها، فتقول “بين لمعة الفكرة بنشر قصائدي بديوان ورقي وبين إمساكي بأول نسخة منه مضى أكثر من عشرين عاما. كانت بالنسبة إليّ أعواما، حيث ابتعدت فيها عن المشهد الثقافي كله بفعالياته ورواده ومبدعيه، في حين كانت تلك الأعوام فرصتي المتميزة لاكتشاف عوالم متفردة في الإبداع الشعري خاصة باطلاعي على منجزهم”.

الكتابة لا تطرد الشياطين التي تسكننا وإنما تؤهلنا للقياها، وتمنحنا فرصة الهروب من أسر العالم بالانغماس فيه

وتضيف جاد الرب “تابعت أجيالا منهم أرشف ما يروقني كما ترشف النحلة الرحيق، أختزنه ثم ينتج شعرا ولو بعد حين. كما كانت تلك الأعوام ثورة في عوالم الاتصالات، والتي آتت أكلها بتواصل اجتماعي غير عادي عبر مواقع الإنترنت، والتي من خلالها تعرّفت على إبداعات طازجة.

بالطبع واجهتني مشاكل النشر التي يواجهها معظم المبدعين من اختيار دارٍ للنشر تضمن للديوان توزيعا واسع النطاق وتسويقا جيدا، وكلما أقترب من تحقيق هذا الهدف تعلو التكلفة المادية وتخرج عما بالإمكان. لذا كان الاشتراك في مسابقة لأحد المراكز الثقافية والتي تدعم النشر ضروريا، وكان من ثمرته صدور ديواني الأول ‘باختصار أقرب إلى النشوة’، والذي حوى بين صفحاته البعض من حليب روحي، قصائد لا تندرج تحت تصنيف موضوعات محدد، فكل قصيدة تلقي بقعة ضوء على لمحة من جانب إنساني، وهكذا ارتضيت لديواني الأول أن تحتضنه أيادي القراء”.

مرايا الوعي

يبدأ عبدالغفار العوضي حديثه عن الوعي الذي شغل حياته وعن تجربته من خلال ديوانه الأول، يقول “الوعي هو ما يصنع الحياة ويشكل تفاصيلها الصغيرة التي تبدو وكأنها مفروضة علينا من الخارج ومن ضغط الشروط الاجتماعية والاقتصادية التي تكوِّن وضعنا الوظيفي في العالم، ولكن يبدأ توقيت الحياة مع تلك اللحظة التي ندوّن فيها العالم ونسجل تفاصيله عبر إدراك كثيف للغة وحقولها الدلالية، الكتابة لا تنبع فقط من الداخل عبر التوغل العميق داخل الذات ومأزقها الوجودي وتجربتها مع الألم والحب والحرب والشيخوخة والهزيمة والثورة بمعزل عن الأبعاد الاجتماعية والسياسية والطبقية التي تنتج الكتابة من خلالها”.

ويضيف قوله “الكتابة الشعرية لا تمثل محاكاة للواقع بشكله المباشر والفج والتقريري، وأيضا لا تنعزل في الداخل عبر هيمنة المجاز والرمز واللغة المعزولة عن سياقاتها الخارجية والمجتمعية وكأن الذات تعيش داخل قوقعتها دون خوض حرب مع العالم، من هنا تكشف القراءة عن المفتاح الرئيسي لديواني ‘الأرض تتهيأ لشتاء أخير’، والتي تتناول تكسير العظام المتبادل بين الذات الهشة والمتضائلة والمحملة بذاكرة من الهزائم تاريخيا والمهمشة اجتماعيا، حيث تهيمن الطبقية بلا إنسانيتها على العالم وتتوغل الرأسمالية بكل وحشيتها لتسحق الإنسان وتحوله إلى رقم سواء في الحرب أو في معدلات الاستهلاك أو المجاعة أو انتشار فيروس ما أو غرق جماعي أو في كارثة بشرية طبيعية، كل تلك المعادلات غير متوازنة بيننا وبين العالم، هي ما تمنح معركة الكتابة الشعرية خصوصيتها الإنسانية، إنها تمنح للذات فرصة الثورة على نفسها وعلى المجتمع وعلى العدو من خلال حفرها المستمر، والكشف عن حفريات السلطة وهدمها وهزيمة لاوعيها المسيطر علينا”.

ويتابع العوضي “يتحاور الشعر هنا مع الهامش والذي تطرده الذاكرة من المتن بسلطتها القاهرة والمركزية والتي تحوله إلى عابر ومنسي ومؤقت، يتم استهلاكنا بل واستنزافنا بالكامل عبر سياسات التجويع والفقر والمحو، وهذا هو ما يمنح الكتابة الشعرية بعدها الاجتماعي والإنساني عبر تماسها الشفاف مع الخارج وعبر دمج الذات بمحتواها المجتمعي، والتوغل داخل الذات بما تعكسه من ألم واغتراب ويقين زائف وحقائق يتم إسقاطها بفعل التوحش اللانهائي للصورة التي تنتجها آلة الدعاية الرأسمالية، داخل الذات في حربها المستمرة من أجل الإبقاء على الحلم والثورة من خلال ممارسة هذا الوعي المستمر في الجدل؛ أي الشعر!”.

تروي شيرين عبدالله تجربتها مع الشعر الذي يبدأ معها بالأزمة فتقول “كانت أزمتي ولم تزل مع النشر هي التأرجح ما بين غواية الكتاب المطبوع وبين الشعور بالإهانة -إن صح التعبير- لاضطرار الكاتب إلى دفع مقابل مادي لنشر ما يقدمه.

جميع من خاضوا هذه التجربة يعرفون تلك الغصة، ولا أتحدث هنا عن دار نشر بعينها، وإنما أتحدث عن وضع عام. عن ديواني ‘قبل أن ألتهم أقمارك’ فقد بدأت الإعداد له من 2011 حتى أخذت قرار النشر في 2014، وصدر عن دار النسيم في أبريل 2014.

ربما كان يعوزني التسويق، ولكني إلى حد ما أستطيع أن أقول إني راضية عن الديوان، يعرفه جمهور الشعر من خلال مشاركاتي في الندوات، وبعض ما ينشر على مواقع التواصل الاجتماعي، كما تُرجمت البعض من نصوص الديوان للغة الفرنسية ونشرها المركز الثقافي للتراث العربي بفرنسا، كما ترجمت الكاتبة المغربية عائشة موماد نصا آخر من الديوان بعنوان ‘ليس الذكر كالأنثى’ إلى الفرنسية أيضا”.

ويجيب عبدالرحمن تمام عن السؤال الصعب لماذا نكتب؟ فيقول “سيبقى هذا السؤال رغم بساطته من أصعب الأسئلة التي ندور في فلكها ولا نقبض على إجابة شافية. الأمر بالنسبة إليّ غريب جدا فالولد الذي غيّرتْ صاحبته ذات الضفائر وضع الإسكتش أمامه في حصة الرسم وهو في التاسعة من عمره دون أن ينتبه حيث صار البحر أعلى الصفحة والسماء أسفلها وجهّز ألوانه بعدها لدغدغة الزرقتين ثم بكى لما رنّت ضحكتها واكتشف اللعبة سيكتب بعد ستة عشر عاما متأملا سطرا في متون الأهرام”.

15