الشعر والإجماع

السبت 2017/02/11

استطاع الشعر المغربي، خلال العقود الأخيرة، أن ينسج لنفسه هامشا للبحث عن صوته الخاص والمتجدد. وكان من علامات ذلك تطور آفاق تواصل القصيدة المغربية مع القارئ العربي ومع العالم عموما. قبل ذلك، كان على الشعر المغربي الحديث أن يعيش إكراهات بداياته. لا ننسى أن مجموع ما صدر خلال سنوات مرحلة الحماية لم يتجاوز الخمسة عناوين فقط، كان أولها ديوان “أحلام الفجر” لعبدالقادر حسن.

وشكل انحصارُ الإنتاج الشعري الحديث في الأعمال الشعرية الخمسة أمرا مفارقا، سواء لعراقة التقاليد الشعرية المغربية التي تمتد جذورُها إلى قرون سابقة، أو لحقيقة وضع الشعر المغربي خلال مرحلة الحماية نفسِها، حيث كان تكريسُه كنوع أدبي تقليدي مركزي يتأسَّسُ على إعادة إنتاجه لخطابات “الإصلاح” و”المقاومة” تعبيرا عن انتمائه إلى لحظتِه العامة القائمة على اعتبار الأدب عموما شكلا من أشكال مواجهة الاستعمار.

وتجلت امتدادات التباين بين عددِ المجاميع المنشورة وحجمِ الإنتاج الشعري عموما، خلال المرحلة، من خلال مستويين.

يرتبطُ الأولُ بالتفاوت بين عدد منتجي الأعمال الخمسة ومجموع شعراء المرحلة، والذين يمكن التمييز في إطارهم بين شعراء انحصرت أعمالُهم على مستوى النشر في الصحف والمجلات، وآخرين تأجَّلَ صدورُ أعمالهم إلى لحظات لاحقة.

ويهم المستوى الثاني التباينَ بين وتيرة حركية تحول بنية مجمل الشعراء وهامشِ تطور بنية التداول الثقافي الموازية لها. وهو تفاوتٌ تكمنُ إحدى علاماته في انبثاق جيل جديد، ارتبط ظهورُه بشكل عام بطبيعة الشروط السوسيو-ثقافية الجديدة، وبانحصارِ جانب من سلطة العلماء، كمنتجين أساسيين خلال اللحظات السابقة، وذلك بحكم تغير التراتبية الاجتماعية، نتيجة تفكك البنية التعليمية التقليدية، باعتبارها مصدر السلطةِ تلك.

واحتفظ نشرُ الإنتاج الشعري خلال مرحلة الحماية ببنيته التقليدية القائمة أساسا على الغياب المطلق لممارسات النشر بمفهومه الحديث.

واتسم مجال التداول بوضع الأندية الأدبية كمجال رئيس للتواصل، وذلك في غياب حركة نقدية موازية عميقة. وفي السياق ذاته، احتفظت الصحف والمجلات بتأثيرها المحدود، اعتبارا لمحدودية هامش حرية اشتغالها، ولعدم تشكل الملامح النهائية لجمهور أدبي، بحكم وضع القراءة، ولضعف البنية التعليمية خلال المرحلة.

وفوق الاعتبارات السابقة، ساهم السياق العام خلال مرحلة الحماية في تكريس وضع الكتابة الشعرية كسؤال ثانوي، وكإعادةِ إنتاج للوعي الوطني القائمِ على تغييب الاختلاف والتعارض كشرط لمقاومة الاستعمار. وهو وضعٌ يُعتَبر جزءا من “هدنة” فكرية ثقافية عامة، قامت على الالتحام بين الوعي الوطني والثقافي، وعلى الحدِّ من التعارضات المرجعية المرتبطة بخطابي الأصالة والحداثة.

وساهمت هذه الاعتبارات في تكريس تقليدية الشعر المغربي، كتعبير عن سلطة “الإجماع” السائدة، بينما شكلت مجموعةٌ من الأعمال الشعرية الرومانسية المنشورة، بعيد الحرب العالمية خصوصا، عتبة لاختراق أحادية صوت الشعر المغربي وتقليديته.

كاتب من المغرب

17