الشعر والشاعر والآخر

السبت 2016/01/16

تتمثّل أبرز المقاربات الجوهرية للشعر، والتي تتردّد تجلياتها عبر صياغات وكيفيات تناول متنوّعة لتشكّل خلاصاتها، في ما أحسـب، صلـب رؤية الشاعر الأسترالي مارتن لانجفورد الفكريّة والشّعرية المتواشجة للعالم وجوهـرها العميق المتجلّي، بتنوّع ثريّ، في مكونات الموقف الرؤيوي الذي يتبنّاه إزاء علاقة الأنا بالآخر، والذي عليه تنهض قراءته للشّعر التي تقول “إنّه يبدأ من تفاعل مع آخرين، أيّا من كان، أو ما كان، وأحد هؤلاء الآخرين؛ حبيبا، شخصـا آخر، أشخـاصا آخـرين، بيئـة طبيعية، أو إلها”. لتؤسّس تعريفه للشّعـرية بأنّهـا “انتبـاه أو إدراك متـزامن بين مركزي جاذبية، عادة، المتكلّم وشيء آخر”.

ولعلّ لهذا التّعريف اللافت الذي قدمه الشاعر في حوار معه نشرته "الجديد" في عددها العاشر، أن يكون منطويا على ما يجعل كلّ شيء في الكون بمثابة آخر أو أنا مغاير لأيّ أنا إنسانيّ، يودّ أن يدرك هويّته عبر تعرّف مكونات ذاته، ويتطلّع إلى أن يحقّق، لنفسه وبنفسه وعبر تفاعل مفتوح مع الأنوات المغايرة والآخرين، وجودا فاعلا في وجود لا يني، يومئ بإمكانية فتح أفق جديد يفضي بالإنسان إلى التدرّج في مسار تحقيق كمال إنسانيّ محتمل، يتحوّل صلب رؤية الشاعر، الفكريّة والشّعريّة المتواشجة للعالم، إلى مفتاح ومصباح في مشكاة يديه الممعنتين في طرق أبواب العالم، أحيازا ومساحات وأماكن وفضاءات وأبواب سماوات، فيمكّناه من رؤية العالم الذي يجوس رحابه ساعيا إلى إدراك حقيقة واقعه القائم وتعرّف مآلاته ومصائره، وتبيّن ممكنات انتقاله إلى واقع ممكن يتساوق مع جوهر الإنسانيّة ويطلق خطو البشر في دروب لا توصلهم نهاياتها إلى إدراك نقيض ما كانوا قد سعوا إليه.

هكذا تنفتح كلّ إجابة على سؤال، ويضاء كلّ مستغلق بسؤال جديد، فتتوالى الإجابات في صيغ خلاصات مؤصّلة، ومدركات تعزّز صلب رؤية الشّاعر للعالم، وتوسّع مداراتها، إذ تتجلّى في نصوص من كلمات وعبارات وجمل تقول، في تضافر جماليّ، شعريّ وسرديّ حميميّ ولافت، أبرز مكوّنات هذه الرّؤية الإنسانية الرّحبة التي يؤسّس صلبها خلاصتين جوهريتين مؤداهما أنّ “المهمّة التّخيليّة الأكثر صعوبة هي أن تتصرّف كإنسان”، وأنّ “الرّحلة صوب الآخر هي رحلة صوب الذّات”.

هكذا يرى الشّاعر أنّه لا يمكن لمخلوق أن يحقّق لنفسه وجودا إنسانيّا في الوجود إلا إذا “شرع في التّحدّث مع الآخرين، ومع نفسه”، كما يرى أنّه يتوجّب على كلّ إنسان فرد، وعلى كلّ جماعة بشريّة أو قوم أو شعب أو أمّة، أن يقاوموا غريزة التّراتب الهرميّ بالرّجوع خطوة واحدة إلى الوراء لإفساح المجال أمام الآخر كي يحقّق وجوده. وفي إدانة صريحة لما نجم عن الاستعمار والاستيطان، ولا سيما في أستراليا التي صارت وطنا لأبناء مهاجرين مستوطنين قدموا، أو استقدموا، من أماكن وفضاءات شتّى من مختلف أرجاء العالم، من عواقب وعقابيل غير إنسانية، بأيّ مقياس وفي أيّ حال، يتلمّس الشّاعر أوجاع سكّان أستراليا الأصليين (ما يربو على ثلاثمئة قوم) ويعلي من شأن قيمهم الإنسانيّة والثّقافيّة الموغلة في قدم يربو على الأربعين ألف عام في مسارات الزّمن، ولا سيما “سماحهم للبيئة أن تكون هي الخيال الآخر”، ويرى أنّه يتوجّب على البشر الذين استمرأوا كتابة مصالحهم وحاجاتهم وجشع أطماعهم فوق حقوق الآخرين، بشرا وكائنات حيّة ومواطن طبيعيّة وكينونات، أن يعيدوا النّظر في تجاربهم وفق منظور رؤيوي صائب، وأن يكفّوا، مرة وإلى الأبد وفي كلّ حيّز من أحياز العالم، عن فعل ذلك، وأن يعيدوا الحقوق إلى أصحابها: حقوق الطّبيعة التي عوملت بقسوة أنهكتها، وحقوق النّاس الذين حملوا على محفّة سرد رأسمالي مهاجر ليلقى بهم على هامش الحكايات.

وإذ يؤكّد الشّاعر على أنّ كلا الحقّين (حقّ الطّبيعة وحقّ النّاس) مترابطان على نحو يجعل الحصول على أيّ منهما أمرا مشروطا بالحصول على الحقّ الآخر، ويحمل هذه الخلاصة ليقرأها في ضوء خلاصات أخرى متنوّعة المجالات ومتشابكة المدلولات، غير أنّها عميقة الصّلة بدعوته الملحّة إلى التّصالح مع فكرة الآخر، فإنّه يخلص إلى استنتاج يقول إنّ “سمة فشلنا المميّزة هي رفضنا الاعتراف بالآخر، باسم حاجتنا إلى صوغ قصّة”.

ولكن من هم من النّاس أولئك الذين لا يمكنهم تخيّل وجود الآخر، أو العاجزين عن الاعتراف بوجوده لكونهم ينكرون حقيقة أنّ الذّات مركز في هامش جميع العوالم الأخرى، فلا يرون سواها مركزا لجميع العوالم؟

ناقد من فلسطين مقيم في براتسلافا

16