الشعر والطفولي

الأحد 2013/11/24

عندما يكتب الشاعر شعره للطفل المتواري فيه وفي كل واحد منا، نحن الكائنات التي ظنت أن الطفولة مرحلة، ما أن نودعها حتى نودع معها الطفل الكامن فينا، إنما يكتب شعراً يبعث اللطف والأمل في العالم، شعره يذهب جهة اللطائف، يكسر جلمود القسوة الإنسانية ليمجد الجوهر الطفولي في الكائنات. إذ ذاك نفوز بقصائد تعيد الاعتبار إلى الإنسان انطلاقاً من جوهره الطفولي، من منطقة الدهشة فيه، من مكمن الإشراق الروحي في الكائن. هناك في تلك المنطقة القصوى من البراءة الملغزة، وهي منطقة عميقة في الكائن، هناك يسكن الجمال في الإنسان، وتسكن أشواق الحب. وفي ظني أنه عند هذا الخيط الرفيع الساحر تتصل الرؤيا الفلسفية للشعر، بالنظرة الجمالية للشعر.

كل قصيدة تنطلق من الأعماق الطفولية المشاغبة في كائن الشاعر إنما تحمل شيئا من النقد المتطرف للبلاغة اللغوية الآسرة والمنمطة للغة الشعر.

سنة 1982 كتب عباس بيضون مقالة احتفت بكتابي الشعري الأول تناول من خلالها علاقة الشعر بالنثر وبالطفولي والوجودي، كان لدى عباس النشط يومها في الكتابة عن الشعر قلقه بإزاء كتابة تستدعي الطفولي في الكائن، وتصوغ منظورها الشعري من خلال هذا الاستدعاء. وقد خلص عباس يومها إلى أن من المشكوك فيه أن يستطيع شاعر إخضاع العالم الشاسع لمنظور طفولي، في قصيدة، أو ديوان. وكنت أرى يومها أن مغامرة الركض في العالم تحت غيمة أو خيال غيمة، ورؤية العالم بطريقة أسطورية وفانطازية خروجا على المتوقع من الشاعر محمودا، لكوني رأيت في مسلك كهذا تمردا على العادي، وبحثا في اللغة وإمكاناتها خارج النسق والأعراف المأنوس إليها، طامحا إلى لغة تميل إلى الابتكار، وإلى تصوير انشغالات الذات بعالمها، عن طريق استدعاء لا يتوقف لما أثّر الميل الطفولي عندي من استعارات ومجازات لغوية تصطاد وقائع وخيالات غريبة، مدهشة في مرات، وصادمة في مرات، ومحيرة في مرات أخرى، وقد رأيت في هذا، وإلى وقت طويل عملا يجدر بالشاعر أن يقوم به.

واليوم، إذ أعود فأتأمل هذا الميل الذي أسست فيه لنظرتي إلى الشعر، وإلى طراز خاص من العلاقة مع اللغة، أجد أنني حاولت، أن أجسد من خلاله رؤيتي المبكرة إلى الوجود والغيب والإنسان.

وقد رعى هذا الميل همّ مبكر أيضا لبلورة رؤية تريد أن تكتشف في الطفولي نقيضاً ثورياً لعالم تخشب وساده الفساد والرياء وتفشت فيه قيم الغروب بدل الشروق، وآفات الشيخوخة بكل رخاوتها وأمراضها الأبوية المتسلطة والتي كانت (وماتزال) مهيمنة على الثقافة والاجتماع، بدلاً من مرح الصبا وألق اليفاعة والطاقة الوليدة في الكائنات الجديدة.

إن تطور النظرة الطفولية للشاعر في موقفه من الأشياء والعالم، مع مرور الزمن، إنما يجعل البعد الطفولي في الشعر يغور عميقاً في قصائده ليحمي الطرافة الوجودية بالمعنى الفلسفي للكلمة، وأظن أن تلك الرؤى الطفولية التي تتلامح في المبكر من شعر بعض الشعراء، إنما تعود مع نضج تجربة الشاعر إلى الظهور في سطوح وطبقات متعددة الأبعاد والمستويات من القصائد والمقطعات الشعرية، وبدهي أنها ستكون هذه المرة على شيء من التعقيد. فاللهو الذي كان أميل إلى استثمار فكرة البراءة، وألعاب المفارقة في قصائد الشاعر، سوف يتحول إلى سخرية سوداء، حيث يطل الألم الطفولي برأسه من أعماق تلك النصوص، ليدل على ما هو فاجع في أعماق الكائن، ويسمح للصوفي أن يتراءى في كائن الشاعر. يتفجّر المنظور الطفولي البحت، ويتحطم تماماً ويحل محله أفق، ونموذج جمالي مختلفان تماماً، وهو ما قد يتكشف عن طريق لهجة إنشادية، تارة وتارة يستيقظ في الطفولي ما هو سوريالي، لعب مهلك، وفضاء لنشيج الطفل فينا، وسيظهر الكائن الطفل هنا بصفته شاهداً مفجوعاً بعالمه يرى كل شيء من بعد.. ويتتبع العالم من آثار خطى صبية انتحروا، صبية هم أقران طفولة الشاعر وقد هلكوا بطرق غير مفهومة.. إنه نشيج مكتوم.. وحواس مكبوحة، لا أثر فيها للميوعة العاطفية، ولكن للغور الإنساني بتموجاته الغريبة، ومفاجآته المبهجة والمؤلمة معاً. كأني بالشاعر، هنا، يقف على حطام طفولته، ليقدم المرثية الدامية للطفل المتمرد في الكائن.


***


أن يعود الشعراء إلى طفولاتهم ليكونوا شعراء ربما هو تفسير فيه شيء من طلب الرأفة لنا نحن الشعراء الأشقياء بتصوراتنا عن العالم، المتألمين من الصدمات التي لا تتوقف، من الضربات التي لا تكف عن البحث عنا. عندما نقول إن الشاعر طفل، أما يكفي أخذنا بهذه المقولة عنواناً لعلاقة الشاعر برؤيته الشعرية، وبعلاقته مع العالم ومع الكلمات؟

الثقافات كلها عبر التاريخ اعتبرت الشاعرَ طفلا. والثقافات الشعرية على وجه الخصوص اعتبرت الوصول إلى الطفل فينا هو المهمة الأسمى للشاعر، والأجدر بالمحاولة. فالأبعاد الطفولية في الكائن هي الأكثر إغراء للمشروع الجمالي للشاعر. ولنتذكر أن التشكيليين العالميين من طراز ميرو وشاغال وماتيس وبيكاسو كانوا شعراء بالخطوط والألوان، وكانوا دائماً أصدقاء للشعراء، وهم لطالما اعتبروا رسم الأطفال المعلم الأول لهم والمدرسة التي لا تتوقف عن ابتكار الصيغ الجمالية الجديدة والمدهشة، وبالتالي ابتكار النموذج الفني الأرقى والأكثر حرية تعبيرياً.

ولكن لنتذكر أيضاً أن كل هذه المحاولات والتجارب التي استلهمت الطفل في الكائن، وجعلت الفنان يقرأ ذاته في ضوء لطف الطفولي فيه وفي العالم، إنما جرت في ثقافة علَّمت نفسها الإنصات للأطفال، واختبرت ذاتها في ضوء العلاقة معهم. والأهم، في مجتمعات سنّت نُظماً وقوانين تتعلق بحقوق الطفل، فأعلت من شأنه، وانشغلت به على كل مستوى وصعيد.

ما يؤسف له أن ثقافتنا العربية ليست فقط ثقافة استبداد، ولكنها ثقافة عمياء أيضاً، فهي لا تلحظ وجود الأطفال، ولا تعتبر نفسها معنية بهم حقاً، ولو عُنيت بهم إنما على سبيل إخضاعهم لمشروعها التربوي ذي الطبيعة الإخضاعية.


***


أن نكتب للطفل فينا، إنما نحن نكتب لأنقى ما في أنفسنا، وأنضر ما في العالم. موسعين بذلك من أفق الشعر، فجهة الطفولي نحن نكتب الشعر بلغة أكثر عذوبة ورهافة وبساطة وعمقا، نلامس الوجود بجمالية خفيفة ورشيقة، بعيداً عن الوزن المؤلم للعتمة واليأس والأذی الذي في شعرنا وفي العالم. مشرعين نافذة علی ألوان رائقة تطال قاموس لغة الشعر، لتبدل فيه على نحو خلاق.

11