الشعر والفكر

الجمعة 2014/12/26

لا شك أن من خصائص الشاعر أثناء معايشته للتجربة الشعرية أنه ينفعل، ويحسّ بالمشاعر، مما يميّزه عن الفيلسوف الذي يبني التجربة الفلسفية بواسطة المفاهيم وربما بدم بارد وبعقل الفيزيائي الرياضي المحض.

فالشاعر الناضج في عرف الشاعر ت. س. إليوت لا يضع الانفعال في الفكرة، وبالعكس فإنه “يضع الفكرة في الانفعال وفي المشاعر على نحو تكون الفكرة محايثة لهما، وعلى أساس يجعلك تحسّ وأنت تسير وتتحرك بداخل تضاريس قصيدة ذلك الشاعر بأنها فكر يرقص ثملا، ويتمايل في كل مكان وكأنه فكر في حالة اللاوعي”.

يقول ألبير كامو أيضا بأن الأثر الفني يولد “من عزوف الذهن عن تعقل المحسوس″. وأنه “هكذا يلمع الفكر في الشعر، إلا أنه يفعل هذا بالذات بزهد وعزوف”، ويضيف كامو مبرزا أن الفيلسوف يسعى لكي يقول الفكرة كاملة في حين أن “ثمة نسبية قائمة بين التجربة الشاملة التي تكون لفنان وبين الأثر الذي يعكس هذه التجربة”.

صحيح أن الفينومينولوجيا تعلمنا أن مهمّة الفلسفة كامنة في وصف المعيش الذي تنجزه قصدية الوعي، ولكن الشاعر يمكن له أن يصف هذا المعيش شعريا بقصدية الوعي-اللاوعي معا.

كما أن الشاعر، بعكس الفيلسوف الذي يلجأ إلى المفاهيم، فلا يستخدم المفاهيم للتعبير شعريا بل إنه يوظف الأقنعة مثل القناع الأسطوري، أو القناع التاريخي، أو القناع الحضاري، أو القناع الخرافي وعندئذ نحسّ أن الذي يتوجه إلينا أو إلى العالم هو هذه الأقنعة والرموز، وبذلك ينجز الشاعر لحظة الهروب من شخصيته ويكسر النزعة الرومانتيكية التي تعتبر الذات القطب الذي يتحكم في التاريخ.

إنه بكسر الذاتية كمركز يتمكن الشاعر من تحويل الجزئي إلى الكلي والخاص إلى العام. في هذا السياق ينبغي التمييز بين التفكير وبين الفكر. فالتفكير عملية مشتركة بين الناس، أو هبة مقسومة بالعدل بين البشر كما قال روني ديكارت في السطر الأول من افتتاحية كتابه “مقالة في المنهج”.

أما الفكر بمعناه الفلسفي فلا يمكن أن يتمّ بمعزل عن سلاسل المفاهيم كما عند الفلاسفة، أو بمعزل عن الصور كما عند الشعراء.

وهنا ينبغي التذكير بأن الفيلسوف يفكر في المفاهيم وبواسطتها أيضا، في حين نجد الحكيم والشاعر يفكران فلسفيا بالصور مثلما يؤكد كل من دولوز وغتاري.


كاتب من الجزائر

15