الشعر والفن التشكيلي

الأحد 2016/09/11

في الشعر ذلك الوهج الأدبي الجميل، فالشعر هو تشكيل للغة ولأبعادها التخييلية والوصول بها إلى منتهاها. إنّه إعادة كتابة للغة وهي تمشي راقصة في عمقه. فلا تكاد تصل إلى المعنى المقصود إلا وهي متوجة باللهب المزدوج بتعبير أوكتافيو باث، الحب والفعل معا وقد التحما داخله بشكل كلي. وفي التشكيل رسومات، صور وخطوط، ارتفاعات وانحناءات، وتعابير بالألوان متعددة الدلالات وبليغة في لعبة الإيحاءات.

وتبعا لذلك، فغالباً ما يلتقي الشعر بالتشكيل، وهما إن التقيا كما حدث في السابق وكما قد يحدث في المستقبل، يمنحان للمعنى بعده المضاعف، ويؤسسان للجمال في أبهى صوره الفنية كلمةً وصورةً، تعبيراً وخطاً، واقعاً وتخييلاً. وهو أمر فني دفع بالشعراء إلى محاولة خوض غمار عملية الرسم بالكلمات داخل قصائدهم بشكل مقصود ومتوخّى، كما دفع في المقابل بالرسامين إلى تشكيل خطوطهم الفنية وفق رؤية جمالية شاعرية بامتياز، سواء أكان هذا الرسم تشكيلا تعبيريا أم تشكيلا تجريديا. كما دفع أيضا، وهذا فِعل فني جميل بكل من الشعراء والرسامين إلى الالتقاء والعمل معا في بناء بعض مقترحاتهم الجمالية الموغلة في الفنية وتشييد معالمها وفق رؤية مشتركة تجمع بين الشعر من جهة والتشكيل من جهة أخرى.

في هذا الالتقاء الفني المضاعف يُعبّر الشعر بالكلمات عن المعنى المتوخّى الوصول إليه، كما يُعبّر الرسم التشكيلي بالألوان عن هذا المعنى المتوخّى نفسه. كلٌّ منهما يحاول جاهداً القبض عليه أو على الأقل على بعض تجلياته، فلا وجود لمعنى ثابت، مستعملاً في ذلك أدواته التعبيرية الخاصة به. وهو أمر يجعل من الشعر يتربع في فضاء اللوحة كما يجعل من الرسم يُعيد تشكيل خطوطه في إيقاع شاعري يمنح لجمالية التعبير الشعري وهجه المرغوب فيه والمبحوث عنه باستمرار.

في بعض الأحيان يكون الشّاعر نفسه فنانا تشكيليا، فيقوم بعملية تشكيل قصائده وهو يحرص على كتابته تارة بخط يده بشكل عادي، وتارة أخرى يحوّل مضامين كلماته إلى رسوم موازية لها أو قد يجعل كتابة القصيدة تشكل صورة معينة كما فعل الشاعر الفرنسي غيوم أبولينير الذي ابتدع فن الكاليغرام وهو يكتب بعضا من أشهر قصائده على شكل حمامة أو على شكل نافورة أو على شكل برج إيفل الشهير وغيرها من الأشكال الفنية الأخرى. وهو ما يجعل من القصيدة تتحول إلى لوحة تشكيلية تُعبّر عن المعنى وعن معنى المعنى في حد الآن.

هكذا نرى هذا الارتباط الفني الوثيق بين الشعر كفن للكلمة وبين الرسم كفن للصورة. وهو ما منح للشعر امتداداً بصريا من جهة ، وما منح أيضا للتشكيل بعداً تعبيريا لغويا من جهة أخرى. وهو أمر إيجابي ومطلوب في دنيا الآداب والفنون. لأنه يمنح للآداب وللفنون معا إمكانية تبادل التأثير والتأثر فيما بينها. وبالتالي تحقيق عملية تناصية مثمرة وفعالة للفعل الثقافي الإنساني. وهو ما لاحظنا حدوثه في الثقافة العالمية بحيث إن أغلب الشعراء الكبار فيها كانوا مهووسين بالرسم، إبداعاً تارة ومشاهدةً تارة أخرى ومتابعة له والكتابة عنه تارات عديدة. يُمكن هنا أن نشير إلى كلٍّ من الشاعر الفرنسي فكتور هوغو الذي ترك لنا رسومات تشكيلية جميلة صاحبت كتاباته لقصائده الكبيرة، والشاعر الفرنسي الآخر شارل بودلير الذي خلّف لنا مقالات كثيرة حول الفن التشكيلي تبين مدى ولعه بهذا الفن ومدى تأثره به وهو يكتب قصائده ويتفنن في خلق صور شعرية مذهلة فيها.

وبخصوص الثقافة العربية نجد أن بعض الشعراء العرب، وربما تحت تأثير من الثقافة الفرنسية تحديدا، قد اهتموا هُم أيضا، بالفنون التشكيلية، وهم يكتبون قصائدهم، ممّا جعل من الشعر العربي يأخذ مسارا تصويرياً جميلا لا سيما حين يكون هذا التأثر نابعا من صدق التجربة ومرتبطا بها، وليس فقط مجرد رغبة في التشبه بالشعراء الغربيين مما يفقد الشعر وهجه الحقيقي ويسقطه في التقليد.

كاتب من المغرب

11