الشعر والماضي والصداقات

الاثنين 2017/01/30

في لحظة بعيدة وشديدة التوتر من حياتي، رأيتُ مدينة “بعقوبة” العراقية لأول مرة. حين دخلتها كان الفصل شتاء، وكنتُ في الثانية والعشرين من عمري، وكنت في غاية الحزن، فقد تركتُ الدراسة الجامعية، بسبب ظروف اجتماعية قاهرة، وانتقلتُ إلى الدراسة المسائية والعمل الوظيفي صباحا.

لم يكن لي ما أعرفه عن هذه المدينة سوى أنها لا تبعد أكثر من ساعة ونصف الساعة عن بغداد، مما يتيح لي الجمع بين الدراسة والعمل، وأنها مركز لواء ديالى، قبل أن تغير التسميات الإدارية، ويسمى اللواء محافظة. وكنت أعرف عنها، ما يثير فضولي دائما: أنها تتميز، عن مدن العراق الأخرى، بخصلتين نادرتين: البرتقال والرصاص.

هل كانت سماء المدينة معجونة بماء البرتقال؟ وهل كانت الغيوم لا تصعد إلاّ من بساتينها الكثيفة مهابة النخيل وحلاوته؟ هكذا كنت أتساءل أحيانا.

كأن رائحة البرتقال تفوح من أخلاق الناس، ونوافذ بيوتهم، والأغاني، ومياه الجداول، وعباءات النسوة. أما الرصاص، قبل أن يصبح الرصاص رخيصا وعديم المروءة، فقد كان شاهدا على رجولة أهلها ونفوسهم العامرة بالنخوة والغضب النبيل. حتى بدا لي أن الرصاص لم يكن صفة عرف بها أهل مدينة أخرى سواهم. وكثيراً ما كنت أسمع الناس يرددون ذلك القول الشائع، شيوع الأمثال، الذي يربط بين لعلعة الرصاص وأهل ديالى، حتى أعطاهم ثلثيها، ووزع ثلثها الباقي على هواء العراق كله.

كان الطريق من بغداد إلى بعقوبة لقاء يوميا مع شمس الصباح. وفي الظهيرة كان الباص يحاول اللحاق بالشمس المتجهة إلى بغداد. ومع ذلك كان ثمة إحساس بالضيق والندم يملأ روحي حتى حافاتها الأخيرة. فقد كان تركي الجامعة قد أورثني ندما لم يفارقني لحظة واحدة، كما أنني لم أكن راضياً عن طبيعة العمل الذي كنت أزاوله. كنت على تضاد يوميّ معه، يعكر عليّ كل لحظة من النهار، فلم أكن أتصور نفسي موظفا يعمل في كتابة الصكوك وأنا الذي تركت الجامعة بدافع الحاجة!

وحدث ذات صباح ما لم أكن قادرا على تصوره، غيّر مزاجي تماما، وأرشدني إلى روحي التائهة مرة أخرى. وكأنه دمعة من الحبر، وقعت فجأة على كلمة كانت في انتظارها حتى تكتمل. وهكذا عادت إلى نفسي ثقتها التي أوشكت أن تنساها تماما.

كان ثمة طرق خفيف على الباب، ثم دخل علينا بعد ذلك ثلاثة شبان أنيقين وشديدي التهذيب. وكانوا مقاربين لي في العمر.

وتوجهوا بالكلام إلى مسؤولي في العمل الذي كان يشاركني الغرفة ذاتها وكان الأقرب إلى الباب. ويا لها من مفاجأة. كانوا يسألون عن إنسان أعرفه، مع أنني كدت أنسى اسمه: علي جعفر العلاق. أحسست أنني أسمع اسمي للمرة الأولى، في هذا المكان الذي بدا لي، رغم جماله، وكأنه واد لا زرع فيه.

كانت دهشتي لا حدود لها، حين اتضح أنهم يعرفونني شاعرا، وأنهم مهمومون، أيضا، بكتابة الشعر والقصة: سفيان الخزرجي، خالد الداحي، ومحسن الكيلاني. كانوا متابعين لما أنشر في مجلات عربية مثل “الأديب” اللبنانية، و”الشعر” المصرية، ومجلات عراقية مثل “الأقلام”، و”العاملون في النفط”، التي كان يشرف عليها الراحل جبرا إبراهيم جبرا.

ومنذ لحظة اللقاء تلك سرى في عروقي من جديد دم دافئ، فعاودني الحنين مرة أخرى إلى كتابة القصيدة. وأحسست للمرة الأولى كم كانت مستفزة رائحة البرتقال. لم يدم عملي في بعقوبة أكثر من عام واحد تقريبا، إذ انتقلت إلى بغداد، ثم أكملت دراستي الجامعية هناك. بعد سنوات، عمت البلاد والعباد تحولات كثيرة، فتفرقت بنا السبل، واختلفت بنا المصائر.

لم أعد أسمع شيئا، مذ غادرت العراق في أول التسعينات، عن محسن الكيلاني، الذي كان بداية مبشرة في كتابة القصة القصيرة، وكان، إلى ذلك، ذا شخصية فياضة بالنبل.

وقد واصل خالد الداحي، ذلك الرسام، المفتون بالصيد والمغامرة، طريقه شاعرا عموديا، ذا أسلوب خاص، يجمع بين رصانة اللغة، وعمق الصورة وشراستها.

أما سفيان الخزرجي فقد كان أصدقنا حدسا بما ستؤول إليه أيامنا المقبلة، فغادرنا مسرعا إلى غربته المجهولة. لم يمكث عند كتابة القصيدة طويلا، مع أنه ظلّ حتى الآن يختزن إحساسا عاليا بالجمال. واستطاع أن يكرس نفسه شاعرا شديد الأناقة في مجال آخر. عرف منذ البداية أن موهبته الحقيقية تكمن في مكان آخر، في لغة اللون والظل والضوء، حتى وصل إلى أن يكون أكثر مصوري الفوتغراف شهرة في السويد.

حين التقيته في استوكهولم عام 2001، بعد أن رتب لي دعوة لتقديم أمسية شعرية هناك، أحسست أن الزمن الفاصل بين أيامنا العراقية وأيامنا في السويد لا يتجاوز الأسابيع أو الشهور. فهتفتْ روحي: أهذا ما يصنعه الشعر بقلوب الناس؟ أيذيب الأزمنة والمسافات ويقطرهما معا في قنينة واحدة؟ لقد أحاطني الخزرجي بمودةٍ لا تتعب، حتى زهدت بأي متعة سواها، وجمعني بشعراء حميمين: الأب يوسف سعيد، وعبدالغني الخليلي وشاكر السماوي، وإبراهيم عبدالملك، وعلي كنانة، وجاسم ولائي.

آه.. أيها الشعر، أيها الماضي، أيتها الصداقات ..!

شاعر من العراق

14