الشعر والميتا، اللغة والوجود

الأحد 2014/05/18
في إبراز الفرق بين ما بعد الطبيعة وما وراء الطبيعة نقبض على الخيال

إذا كان لليوناني الفضل في نقد مفهوم الميتا فليس له الفضل الأول في صناعة الميتا. فالصانع – الديمورغ الإنساني شبيه بالديمروغ الأفلاطوني هو خالق الصورة – الميتا.لنعد إلى الفلسفة. الميتا – فيزيقا – هي ما بعد الطبيعة.

الميتا – التفكير فيما بعد الطبيعة. ولكن ما بعد الطبيعة لا يتطابق مع ما رواء الطبيعة.

في إبراز الفرق بين ما بعد الطبيعة وما وراء الطبيعة نقبض على الخيال الذي لا يبحث عن معرفة الماوراء بل عمّا بعد. العلم يبحث في الماوراء فينشغل بالماهيات الخفية. الماوراء يخفي وراءه، الما بعد تحرر من الفيزيقي. ماوراء الفيزيقا فيزيقي وما بعد الفيزيقا بناء شكلي – صورة كلية – الميتا هذه بوصفها ما بعد لا وجود لها في الواقع.

ما بعد الزهرة لا علاقة له بالزهرة، الأسطورة اللوحة القصيدة هو ما بعد الزهرة.

تقول الأسطورة إن نرجساً هذا شاب في منتهى الجمال والوسامة لكنه لم يرَ صورته قط. ووقف أمام البحيرة ورأى صورته على سطح الماء ولأنه ما كان يعرف الصورة أصلاً ولا الانعكاس على سطح الماء ولا يعرف شكل وجهه سحرته صورته التي يظن أنها لآخر فما كان منه إلا أن قذف بنفسه في البحيرة ليعانق الصورة.

فاختنق وغادر الحياة وتحول إلى زهر النرجس حول البحيرة وهكذا كان النرجس.

أنا لا أعرف من هو مؤلف الأسطورة. ولكن لو سألت نفسي هل هذه أسطورة أو صورة شعرية؟ هل هذه الميتا – الما بعد وعي أسطوري أم وعي شعري؟

قد أجبت عن سؤالي هذا بأنه سؤال لا معنى له. فمن قال إن هناك حدوداً فارقة بين الأسطورة والشعر؟!

لكن كلمة الوعي هنا قد تفسد الجواب لأنها تنطوي على غموض يخلق الاختلاف حول ما صدقها؟ فالوعي رؤيا إلى العالم متكونة ومبدعة معاً أو قل متكونة ومبدعة….

ولأن الوعي أضاف رؤيا – رؤيا قلبية – فهناك الرؤيا الجمالية والرؤيا الأخلاقية والمعرفية والفلسفية والأسطورية والدينية والنفعية والغريزية..

الشعر وعي ووعي معقد جداً، بل هو أكثر أشكال الوعي تعقيداً وغنىً. ففي الشعر يحضر الوعي الجمالي الأسطوري والفلسفي في تشابك من الصعب فضّه.

فهو يرسم باللغة أعماق اللاشعور الذي صار شعوراً شعرياً والشعور الذي يرهق كاهل النفس إذا لم يخرج من النفس لغة. والنفس هنا هي الذات بكل تكويناتها.

ويتأسس الوعي الجمالي بانزياح للغة عن الأشياء عبر صياغة علاقة جديدة بالأشياء لا وجود لها في الواقع لكنها بنت الواقع بالضرورة.

وهنا تبرز معايير الجمالية باللغة الشعرية التي تضفي عليها الموسيقى الداخلية للنص الشعري قوة التأثير. أو تمارس تأثيرها خارج الموسيقى على نحو خفي.

الوعي الشعري الجمالي أكثر أشكال الوعي فرادة وخصوصية إنه ليس مستمداً من أية منابع خارجية

والوعي الشعري الجمالي أكثر أشكال الوعي فرادة وخصوصية إنه ليس مستمداً من أية منابع خارجية.

ولهذا فالشعر – جمالياً معجم لغوي جديد وخاص بالشاعر وحده. إنه – أي الشاعر- يحول معجم اللغة الميت إلى معجم لغوي حيّ وحرّ.

ولاشك أنه كلما كان مخزون الشاعر اللغوي ثرياً ساعده ذلك على تشكيل الصورة الجمالية على نحو حرّ. فاتساع فضاء اللغة اتساع لفضاء الشعرية عند الشاعر. فاستحضار الكلمات لتركيب الجملة الشعرية يأتي من المخزون اللغوي وليس من مخزون الذاكرة الشعرية بوصفها ثقافة.

والحق أن التحرر من الذاكرة الشعرية الثقافية شرط ضروري وليس كافياً لتجديد اللغة الشعرية. والشعر بهذا المعنى وعي أسطوري، نص أسطوري. ونحن لا نتحدث هنا عن استخدام الأساطير المتكونة تاريخياً لدى الشعوب فقط وإنما عن إنتاج الأسطورة في الشعر، الوعي الأسطوري هنا وعي جمالي فقط وليس وعياً فكرياً بالعالم.

ونحن لا نعرف بدقة درجة الإيمان بحقيقة أسطورة جلجامش، أو عشتار وبعل أو… عند الإنسان البابلي والآرامي. غير أننا إذا افترضنا أن هناك علاقة بين الأسطورة القديمة والحقيقة المعرفية، فإن الأمر عند الشاعر هو أسطرة الوجود الذاتي جمالياً، أسطرة المعنى عبر العلاقات الغريبة والعجيبة بين الكلمات الدالة على الأشياء.

والشاعر عندما يستعير الأساطير القديمة ورموزها في تجميل نصه وتعميق معانيه فإنه يعود إلى الرحم الأصلي للشاعرية، ويقوم باستعارة الرمز ومنحة حياة جديدة في النص الشعري.

بل وإن استعارة الرموز الأسطورية القديمة نوع من مشاركة الأسطورة خلودها وتحريرها من تاريخها عبر منحها لبوساً جديداً.

صحيح أن الشاعر يلقي على القارئ عبئاً جديداً في امتلاك النص وفهمه، لأن امتلاك النص الشعري الغني بالاستعارات الأسطورية القدمية وفهمه يتطلب معرفة مسبقة بالأساطير ورموزها ودلالات حوادثها المتخيلة، وهذا أمرٌ قد لا يتوفر للعدد الأكبر من القراء.

غير أن ذلك ليس سببا وجيهاً لأن يكف الشاعر عن استخدام الأساطير بل على القارئ أن يتعلم ويعود لثقافة الأسطورة، أُم أن خيالنا هو الجامح. إن اللغة هي التي تجعل من الشعر ميتا، لا بوصفها أداة للتعبير بل بوصفها أسطرة الوجود وميتا – لغة.

إذا افترضنا أن هناك علاقة بين الأسطورة القديمة والحقيقة المعرفية، فإن الأمر عند الشاعر هو أسطرة الوجود الذاتي جمالياً

الشاعر – وعبر أسطرة الوجود – يحول اللغة إلى ميتا – لغة. دون أسطرة الوجود لا جمالية، وكلما غرق الشاعر في الأسطورة ارتفع باللغة إلى الميتا. حتى يمكننا القول: الأسطرة أحد أهم معايير الشعرية.

هذه الميتا لغة الأسطورية تحمل حدساً فلسفياً، نظرة إلى الدنيا، فالحدس الفلسفي الشعري هو ظهور الفكرة ظاهرة أو خفية.

من سمات الحدس الفلسفي الشعري أنه فكرة طليقة ترقص في زي جمالي أخّاذ وليست بحاجة إلى منطق أرسطو ولهذا هي حدس.

وهناك مستويات من حضور الحدس الفلسفي في الشعر فإما أن يأتي في صورة عفو الخاطر أو يكون مقصوداً لذاته بوصفه مقصود الشعر.

ولقد دللت التجربة الشعرية أن مرحلة ما بعد النضج تكون أكثر امتلاءً بالحدس الفلسفي، وتصل حد وقوف الشعر عليها.

وعندي أن ليس هناك – في الشعر – انفصال بين الحدس الجمالي والحدس الفلسفي، والقرابة بين الشعر والفلسفة قرابة من الصعب فصلها.

يظهر الحدس الفلسفي – الشعري في الغالب عبر أجوبة عن أسئلة مضمرة، بحيث تبدو الفلسفة شذرة فكرية تقول قولاً فصلاً، قولاً يأخذ شكل ما تسميه العرب الحكمة.

غير أن ذلك لا يمنع أن يكون النص شعرياً حدساً فلسفياً بالأصل. وآية ذلك أن الشاعر وهو يعيش التجربة الشعرية بوصفها كينونة، نمط وجود يعيش الأرق الفلسفي عبر القلق الوجودي. فالموت والمصير والحزن والفرح والبحث عن المعنى وكل أسئلة الوجود الكبرى تحضر في التجربة الشعرية فتخلق الحدس الفلسفي الشعري بعد أن يصل الشاعر إلى مرحلة النظرة إلى العالم والموقف من الوجود والعدم الذاتية.

والسيرة الشعرية للشعراء الطغاة تدل على تحرر الشاعر من تجربته الذاتية المعيشة والانتقال إلى تجربته الوجودية الكلية، أو قل تتحول التجربة الوجودية الكلية إلى تجربة ذاتية.

والمعنى الكلي إذ يختفي خلف الجمالي والجمالي حين يظهر في المعنى يزيد من جمالية المعنى ومن معنى الجمال. عندها لا يبقى الشعر عند حدود الميتا اللغوية بل ويتجاوزها إلى الميتافيزيقا – الفلسفة.

ولكن حذار من اعتبار الشعر فلسفة. فليس هاجس الشعر قول الحقيقة والدفاع عنها. الشعر هنا وجدان فلسفي وليس عقلا فلسفيا.

الوجدان الفلسفي الشعري هو في النهاية تجربة وجودية وليس تأملا باردا بالعالم .

فالشاعر لا يسأل ما الموت؟ ما العدم؟ ما الحب؟ بل يعيش تجربة الموت فينقل الموت من التجربة المعيشة إلى الحدس الفلسفي – الشعر الكلي. وهذا هو معنى أن يحوّل الشاعر تجربته الوجودية المعيشة إلى تجربة كلية.

والفيلسوف بدوره حين يعيش أسئلة الوجود الكبرى تجربة ذاتية فإنه يعوّل على الشذرة الفلسفية أو الإهاب الأدبي للقول الفلسفي فيمزج بين الوجدان والعقل فيما يظل الشاعر وجداناً خالصاً.

غير أن توسل الشعر وسيلة للتعبير الفلسفي الحدسي فقط سيضعف الجمالية الشعرية وتصبح التفاتة الشاعر إلى المعنى فقط. ولهذا فإن الشعراء الطغاة – العظام يجمعون بين الحدس الفلسفي والحدس الجمالي فيوحدون على نحو مبدع بين الميتا – لغة والميتا – فيزيقا.

والميتا بطابعها المزدوج تحقق المتعتين الجمالية والعقلية معاً، وترتفع بالشعر إلى الأبدية.

وبعد: إن الشاعر الذي وصل إلى ذروة الميتا حدساً جمالياً وحدساً فلسفياً كائن يجمع بين النرجس والفينيق.

ففي الوقت الذي يعانق الشاعر ذاته ويعيش الغيبة مستيقظاً متناثراً على ضفاف الكينونة مزهواً يمارس أعلى درجات الحرية والحضور، إنه يحضر بوصفه فينيقاً يُبعث عبر رحم اللغة، فيظهر في المخاض الشعري مرة أخرى نرجساً يعانق ذاته في بحيرة اللغة. فالشاعر هو الميتا.

11