الشعر وطريق الآلهة

الأربعاء 2016/12/21

كم كبير هو الشبه بين النهر والقصيدة، فهو شقيقها أو قرينها الجميل. صحيح أنه يقع خارج اللغة، لكنه شريك القصيدة في ما تدخره من جمالية فائقة. فالنهر قصيدة مائية بامتياز. لغة تتموج وتغيم، وتصطفق وتهدأ، في حركة مرفرفة كأجنحة تهم بالنهوض، وناعمة كنوم يخالطه تعب خفيف.

ولاشيء كالنيل، يذكرني بالشعر، ويعيدني إليه. ومثلما لا يذكرني أحد بنهر دجلة كما يفعل الجواهري، في قصيدته الشهيرة، فقد كان علي محمود طه أول شاعر حقق في مخيلتي هذا الترابط الجميل بين الشعر والنيل. من خلال قصيدته عن هذا النهر الخالد.

وعلى هامش مشاركتي في ملتقى القاهرة للشعر، في أواخر الشهر الماضي، دعيت إلى أمسية شعرية نظمها لي بيت الشعر في مدينة الأقصر. وهناك، ومذ لحظة وصولي المدينة، بدأ الاشتباك المثير للوجدان بين الشعر في كيانه اللفظيّ، والشعر كمعطىً تهبه الطبيعة الصريحة النقية وهي تتدفق على مقربة منك.

كنت على جوار حميم مع سيد الأنهار، وكان الفندق، مثل حدوة حصان، ينفتح على الماء بطريقة مغوية. لم يكن ماء النيل صاخباً كعادة الأنهار في هذا الوقت من العام. بل كان ثمة غنجٌ مائيٌّ مترف، تطرب له العين ويتلقّاه القلب بلهفة متوقدة. وكانت ثمة زرقة آسرة صنعها لقاء استثنائيّ بين زرقتين صافيتين. سماء حريرية تهبط على الماء فيختلطان معاً في زرقة واحدة تتدفق بين ضفتين عامرتين بالحقول المترامية ومعابد الآلهة الطالعة من الغبار القديم. تقع مدينة الأقصر، أو طيبة القديمة، بين هذين القوسين من الجمال الصادم : النيل الحافل بتجليات الجمال الفريد، والعراقة المذهلة التي ما تزال مجلبة للدهشة ونشوة التأمل. إنها مدينة تسترخي على كنز من الآثار المدفونة، وهي متحفٌ حيّ مكشوف يمتدّ بمحاذاة النيل الوقور، بأعمدته العملاقة، وتماثيله الجميلة. وكلما أزيل جزءٌ من المدينة تكشّف لنا جزءٌ من الجمال المحير الذي كان مخبوءاً تحت هذه المدينة منذ الآلاف من السنين.

و يظل طريق الكباش، الذي يمتد بين صفين طويلين من التماثيل، واصلاً بين معبدي الكرنك والأقصر، من أجمل ما تـم الكشف عنه. أكثر من ألف تمثال، كل منها يتجسد على شكل أسد رابض برأس كبش. مزيجٌ من اللطف والشراسة يحفّ بموكب الفرعون المقدس حين يجتاز هذه الطريق، مانحاً إياه إحساسا بالجبروت المقترن بالعدل والرحمة.

في هذه المدينة، يكون للشعر مذاق خاص. لا جدال في ذلك. وتكون لليل قداسته، فهو لا يخرج إلى الناس إلاّ بعد أن يغتسل بماء النيل المهيب. ووسط ذلك كان الشاعر محمد أبو الفضل بدران يقدمني لجمهور ذكيّ القلب، شغوف بالشعر والحنين. وكان الشاعر حسين القباحيّ، مدير بيت الشعر، قد أحسن الإعداد لتلك الأمسية الشعرية، وأحاطها بالكثير من المحبة.

كان بيت الشعر محاذياً تماماً لطريق الكباش، أو طريق الآلهة، وكان في الليل الكثير من أناقة الليل، وبلل الشعر. وإلى ذلك، كانت هناك ريحٌ قديمةٌ مبجلة، مشوبة برنين مركبة فرعونية، وثمة ثغاءٌ ناعم كالتراتيل، ما يزال عالقاً بهواء المدينة.

كاتب من العراق

14