الشعر يطهّر الذات ويسمو بالمجتمعات

نقاد مغاربة يتحدثون عن عودة الشعر ومهمته الصعبة في تحرير الإنسان.
الاثنين 2019/10/07
الشعر ينمو من القاع (لوحة للفنان إبراهيم صلاحي)

استضافت المدرسة العليا للأساتذة بمدينة مرتيل المغربية ندوة أكاديمية حول “درس الشعر في المغرب”، بمشاركة باحثين جامعيين منهم من أسس لنقد الشعر العربي المعاصر في الجامعة المغربية، منذ بداية الثمانينات، ومنهم من فتح هذا الدرس النقدي على آفاق نقدية جديدة، ومنهم من يستأنف اليوم هذه الممارسة الأكاديمية في دراسات ومشاريع بحثية جديدة. وقد اتفق المتدخلون في هذه الندوة على “عودة الشعر” بقوة في عالم اليوم، ومستقبلا، على أساس أن الشعر هو الذي يسمح لنا بأن نظهر ذواتنا ومجتمعاتنا. بينما تبقى مهمة الشعر الأسمى هي تحرير الإنسان والذات، والدفاع عن العدل. 

أجمع المشاركون في ندوة “درسر الشعر في المغرب”، التي أقيمت قبل أيام، بمدينة مرتيل المغربية، على راهنية الشعر في عالم اليوم، وعلى أن العودة إليه إنما باتت مسألة استعجالية حتى نطهر ذواتنا ومجتمعاتنا.

 مثلما ذهب المشاركون، في هذه الندوة الأكاديمية، إلى أن الشعر، وإن بدا أنه تراجع في العقود الأخيرة، في العالم العربي، كما في مختلف الثقافات الإنسانية، إلا أنه يظل في “المستوى الأعلى”، وفي “المنتهى الأبعد”، كما كان يسميه الشاعر المغربي الراحل أحمد المجاطي.

الشعر المفتوح

الناقد المغربي المخضرم أحمد الطريسي أعراب يرى أن الحديث عن درس الشعر في المغرب يقتضي البدء برصد التجارب الشعرية الكبرى التي شهدها، والمتمثلة، حسبه، في ثلاثة اتجاهات كبرى، أولها الشعر الحر، أو ما يسميه الباحث “الشعر التفعيلي”، ثم تجربة قصيدة النثر، أو ما يسميه “القصيدة الحرة”، وصولا إلى التجربة الثالثة المتمثلة في “النص الشعري المفتوح”. وكما ولدت قصيدة التفعيلة من رحم القصيدة العمودية، والقصيدة الحرة من رحم التفعيلية، فإن النص الشعري المفتوح هو سليل كل ذلك، والتجلي المعاصر لهذه الصيرورة الشعرية. وهو على غرار “الأثر المفتوح” لأمبرتو إيكو، ليس قصيدة حرة وحسب، على غرار القصيدة الحرة، بل هو نص يضمن الحرية حتى للقارئ، ويجعل منه شاعرا وهو يقرأ الشعر.

وفي ما يتعلق بطبقات النقاد المغاربة، استعرض الطريسي أعراب مختلف الدراسات النقدية حول الشعر في المغرب، مشيرا إلى ظاهرة أخرى تسم درس الشعر في المغرب، وهي ظاهرة الشعراء النقاد، من الذين جمعوا بين كتابة الشعر ونقده، على غرار أحمد المجاطي ومحمد الخمار الكنوني وعبدالله راجع ومحمد بنيس.

رغم أن الشعر يبدو معزولا عن الحياة اليومية إلا أنه يظل شاهدا على مختلف التحولات والانعطافات الكبرى

ونبه المتحدث إلى وضع آخر يتمثل في اختلاف مستوى الكتابة الشعرية من شاعر إلى آخر، وبين قصيدة وأخرى لنفس الشاعر، وهو ما وضع الناقد المغربي في حيرة، لما أراد إعمال المناهج النقدية وتطبيقها على النصوص الشعرية، وكأنها نصوص متطابقة ومتفقة. لهذا، يؤكد لنا أحمد الطريسي أعراب أنه، عبر تجربته في مقاربة القصيدة العربية، ظل يراعي مستوى الكتابة الشعرية، أولا، قبل أن يواجه النص بمنهج من المناهج النقدية.

وانطلاقا من هذا الاختيار النقدي، انتهى الباحث، عبر تجربته النقدية الزاخرة، منذ أعماله الأولى التي صدرت في مطالع الثمانينات، إلى أن المشهد الشعري المغربي قدم لنا ثلاثة نماذج بارزة، هي “النموذج الحسي الواقعي” و”النموذج الشعري التخييلي المعقلن”، وصولا إلى “النموذج التخييلي الرؤياوي”، والذي يكاد يجمع بين النموذجين السابقين، حين يقدم رؤيته الشعرية من عمق الأشياء الواقعية.

لئن كان الشعر معزولا في حياتنا اليومية، ويبدو كأنما يعيش على الهامش، إلا أن ما يثير الدهشة، بحسب الباحث المغربي عبدالجليل ناظم، هو أن هذا الشعر المغربي قد ظل شاهدا على مختلف التحولات والانعطافات الكبرى التي شهدها المغرب.

النبوغ المغربي

ينطلق الباحث عبدالجليل ناظم من كتاب “النبوغ المغربي”، لعبدالله كنون، الذي ألفه في بداية الثلاثينات. فهو وإن كان كتابا يضم نصوصا ومنتخبات من الأدب المغربي قديمه وحديثه، إلا أن سلطات الحماية الفرنسية أصدرت قرارا عسكريا بمنعه واعتقال كل من تداوله. وهنا يتساءل الكاتب عن سر هذا الحضور القوي لكتاب “النبوغ المغربي”، والذي ملأ ثغرة في تلك الفترة لم يستطع حتى الساسة أن يملأوها، ولا أن يستفزوا السلطات الاستعمارية إلى هذه الدرجة.

وعن درس الشعر وعلاقته بالجامعة المغربية، يؤكد الباحث المغربي أن الجامعة طالما كانت قاطرة للتحديث، ولم تكن خلف التحديث، على حد توصيفه. وفي مقابل ذلك، فإن ما كان يحدث في الشعر من منعطفات كان يؤثر على كل المجالات. وهو ما استمر بشكل قوي إلى مرحلة السبعينات الهادرة، بما شهدته من صراعات سياسية واحتقانات اجتماعية. في تلك الفترة، اختارت الجامعة المغربية فتح وفسح آفاق معرفية جديدة، عبر الانفتاح على الغرب، وترجمة أعمال نقدية متقدمة حول درس الشعر، من قبيل كتب رولان بارت ورومان جاكبسون وآخرين، بما أحدث ثورة في الثقافة المغربية، وفي الشعر المغربي أيضا. وبلغ صدى هذه الدراسات الأجنبية باقي بلدان العالم العربي.

Thumbnail

والانعطاف الذي حدث، حسب المتدخل، هو أن عبدالله كنون كان يؤصل للهوية المغربية ويدافع عنها أدبيا وشعريا، بينما قام جيل السبعينات باختراق هذه الهوية، عبر استدعاء الثقافة الغربية والمناهج الغربية الحديثة والانفتاح عليها. وهكذا، فقد ساهمت حركة الترجمة في انفتاح الثقافة والمجتمع المغربيين على الآخر. وعاد الفضل في ذلك، أولا، إلى أساتذة الشعر والأدب، الذين بادروا إلى مشاريع الترجمة الأولى. ثم انتشر الإنتاج المعرفي والنقدي بصدد الشعر والأدب، عموما، وهو الإنتاج الذي تحلى بالدقة والمنهجية العلمية الصارمة، بعيدا عن الكتابات الإخوانية أو الانطباعية. كما ازدهر قطاع النشر في المغرب، حتى لقد أصبح الكتاب العلمي المغربي من أعز ما يطلب في أروقة الثقافة العربية. هذا إلى جانب النقاش العمومي حول الشعر، والذي استجد ضمن هذه السياقات الاجتماعية والتحولات السياسية الجديدة، وسياقات أخرى عديدة.

وفي الأخير، رفع عبدالجليل ناظم عددا من التحديات التي تعترض درس الشعر في المغرب، وفي مقدمتها ضرورة الخروج من “التوطين” إلى العولمة، مع الإفادة من ثورة التواصل ووسائطه الجديدة، إضافة إلى أهمية العودة إلى الوظيفية، بعد حالة “الانكماش” التي باتت تتهدد الأدب، استجابة إلى مقولات وكليشيهات، سادت منذ السبعينات والثمانينات، من قبيل “أدبية الأدب” و”موت المؤلف”، وجعلت العمل الأدبي منغلقا على نفسه، بينما تنبهت الاجتهادات الألمانية والأنجلوساكسونية، إلى أهمية الوظيفية، يقينا منها أن “مهمة الشعر الأسمى إنما هي تحرير الإنسان والذات، والدفاع عن العدل”، يختم عبدالجليل ناظم.

الأفق الأندلسي

 أما الناقد الجامعي والشاعر أحمد هاشم الريسوني، فاقترح علينا في هذه الجلسة النقدية الأكاديمية أن نجعل من الشعرية الأندلسية مرجعا في كتابة الشعر ونقده معا. وهي الأندلس، فضاء اللقاء بين الثقافات والحضارات والشعريات الإنسانية. لأجل ذلك، يدعونا الريسوني إلى أهمية “إعادة صياغة الدرس الشعري المغربي عبر استحضار هذه الشعرية الأندلسية مرجعا وأفقا للكتابة والتخييل والنقد والتأويل”.

ومن جهة أخرى، يرى المتحدث أن المعرفة هي جوهر كل عملية شعرية أو نقدية. ولا يمكن أن نبني نقدا شعريا ولا نصا شعريا، أصلا، دونما معرفة. والحال أنه لا يوجد شاعر ساذج، بحسب الريسوني. بل إن الشاعر كلما تقدم في المعرفة والوعي تمكن شعريا. والشاهد عنده في هذا الباب هو أبو الطيب المتبني بما أوتي من معرفة لغوية وكفاءة أدبية وموسوعية فكرية، جعلت منه أشعر شعراء العرب والإنسانية.

15