الشعر يواصل طريقه في غياب نقاده.. لكن إلى أين؟

الفوضى جعلت الشعر يعيش حالة من التخمة والرطانة وغياب التواصل مع القراء.
الاثنين 2020/02/10
المسؤولية مشتركة بين الشاعر والناقد (لوحة للفنان سيروان باران)

كلام من قبيل “الشعر بات بلا نقاد ولا مواكبة نقدية”، يبدو كلاما مكرّرا وبلا نفاذ إلى عمق المشكلة الموجودة فعليا، لأن مقاربتها تعاني من نقص وسطحية، فالشعراء يستثنون أنفسهم من جهة ويعتبرون أنهم غير مسؤولين عن تراجع نقد الشعر، ومن جهة ثانية تخلى النقاد عن المقاربات العميقة والجريئة واكتفوا بما هو مستهلك. فمن المسؤول إذن عن تراجع نقد الشعر وتقهقر الشعر نفسه؟

كلنا يعلم أن التحولات التي فرضتها قصيدة النثر على المشهد الشعري العربي على مستوى البنية وأدوات تعبيره، التي كانت تجسيدا جليا للتطور الذي طرأ على رؤية الشاعر إلى العالم.

لكن هذا التحول في تجلياته الجمالية والفنية ما زالت مقارباته والبحث في دلالاته وأسبابه بعيدة عن شواغل النقاد لأسباب مختلفة جعلت هذه التجربة تتحرك في فضاء يكاد يخلو من أي علاقات حوارية مع النقد يمكن لها أن تسهم في تعميق هذه التحولات والتأثير في ذائقة المتلقي وتحرير المشهد الشعري من حالة التداخل والفوضى والضياع التي يعيش فيها الآن.

مسؤولية مشتركة

في النصف الثاني من القرن الماضي كانت شكوى الشعراء من ضعف المواكبة النقدية لتجاربهم تعلو بين وقت وآخر، بينما الآن تعاني الفاعلية النقدية على هذا المستوى من حالة جزر كبيرة، حيث يندر أن تجد جهدا نقديا مكرسا لمثل هذه المتابعة والحوار مع التجارب الممثلة لهذا المشهد أو لظواهره الأبرز والأكثر دلالة على تحولاته وقيمه الجمالية والفكرية الجديدة.

إن الحديث عن هذه المسألة هو حديث عن الفعل النقدي الذي لا يقل قيمة وأهمية عن الإبداع الشعري طالما أنه حفر في طبقات التجربة ومعانيها وكيفيات تشكلها وتكوينها. لكن الاعتبارات التي ما زالت تحكم واقع الثقافة الراهن وحالات المفاضلة بين الأجناس الأدبية والإغراءات التي توفرها على مستوى الشهرة والحضور والمنفعة هي التي تعفي الناقد من أعباء هذه المغامرة ومشقاتها.

الشعر يواصل تجربته من دون أن يواكبه جهد نقدي يعيد إليه قيمته الإبداعية وحضوره في المشهد الثقافي العربي

بالمقابل ثمة مسؤولية يتحملها الشعر في صورته الراهنة، بعد أن تحول إلى مغامرة مفتوحة بلا مرجعيات أو موهبة أو فهم لطبيعة الشعر كمغامرة لا تتوقف عن تحدي الذات وسؤالها، حتى اختلطت الأصوات والأسماء في هذه الفوضى التي جعلت الشعر يعيش حالة من الرطانة التي يصعب على الشعراء أنفسهم فهم ما تقوله مع تزايد عدد الشعراء والشاعرات وانحسار قارئه.

كل هذا يحدث في وقت ينبري فيه بعض النقاد بالحديث عن أزمنة خاصة بهذا الجنس أو ذاك من قبيل زمن الرواية وزمن الصورة حتى بدا وكأن على الشعر أن يتنحى بعيدا ويخلي المشهد كله للرواية وللصورة مع أن الصورة تحولت إلى مكون أساسي لبنية القصيدة وقيمها الجمالية الجديدة. فإذا كان هذا هو موقف الناقد من الشعر فما هو حال القارئ وسواه، وكأن الرواية من خلال جوائزها والرعاية الإعلامية التي تحظى بها أصبحت هي الفن العربي الأول بل هي درة الإبداع الأدبي العربي الراهن. إن هذه المفاضلة التي ساهمت عوامل متعددة في تكريسها هي التي حرمت الشعر من نقاده وتركت الشعر أشبه ما يكون باليتيم الذي يبحث عن أبوة نقدية ترعاه.

مواكبة نقدية

لوحة للفنان باسم دحدوح
لوحة للفنان باسم دحدوح

إن مشكلة النقد مع الشعر تتمثل بصورة كبيرة في غياب الدراسات النقدية الجريئة والمهمة التي تتناول ملامح التجديد والإضافة التي تقدمها التجارب الشعرية الهامة والظواهر الفنية والجمالية التي أضحت تميزها، وتشكل علامات خاصة بها باعتبارها جماليات جديدة تنضاف إلى تاريخ الشعرية العربية في تحولات مفاهيمها وقيم جمالها في سياق سيرورة هذه الشعرية وتحولاتها العميقة على مستوى الذات الشعرية واللغة والعالم.

لذلك يمكن القول إن أغلب التجارب الشعرية لا تزال بعيدة عن القراءة والدرس والاكتشاف في وقت ما زالت فيه الدراسات النقدية الأكاديمية مشغولة بالتجارب التي كتب عنها الكثير وقيل فيها الكثير، دون أن تستطيع تجاوز هذه النمطية المكرسة ربما لتوفر المرجعيات التي تعينهم، في حين تحتاج التجارب الجديدة إلى مقاربات جريئة وجديدة من منظور نقدي ومنهجي مغاير حتى تتمكن القراءة من تحقيق أهدافها والوصول إلى الغايات التي تتوخاها تحقيقا لأهدافها العلمية والمنهجية في القراءة والبحث.

وعلى خلاف ما كان سائدا سابقا ثمة محاولات نقدية من منظور نقدي حداثي تقوم بها بعض الناقدات الأكاديميات وإن كانت تتقصى في الغالب الظواهر الشعرية في هذه التجارب على مستوى جماليات التعبير وأشكاله الجديدة دون أن تنال حقها من الحضور الإعلامي.

لقد قدمت التجارب الجديدة مادة غنية وواسعة يمكن للنقد أن يعمل على فحصها وتحليل أبعادها وجمالياتها والدلالات التي تنطوي عليها في سياق التجربة ككل، لكن الكسل وصعوبة دراسة الشعر خاصة في تجاربه الأكثر حداثة يجعلان الناقد يتخلى عن هذه المهمة، خاصة بعد أن تقلص الدور الذي كانت تقوم به مؤسسات النشر الرسمية وتراجع قراء الشعر ونقده، ما أضاف إشكالية جديدة إلى ما يعانيه الشعر في الثقافة العربية الراهنة.

إن النقد الذي لا يرى في نفسه عملا إبداعيا ومغامرة في الوصول إلى حوار مبدع وعميق مع الشعر لا يمكن أن يستطيع فك مغاليق هذه التجربة واستدراجها إلى البوح بما تخفيه أو تسكت عنه في فراغاتها وما تغامر في تفجير طاقات لغتها وتوسيع مديات الخيال فيه. لذلك تكمن مشكلة القراءة النقدية في وعي الناقد بهذه العلاقة واشتراطاتها على مستوى النظرية والمنهج حتى تستطيع أن تنجز أهدافها في المقاربة والدرس والاستكشاف. إن غياب المختبرات النقدية الخاصة بمثل القراءات المفتوحة على حداثة النص الشعري وعدته البلاغية والرمزية والتناصية مع الأجناس الفنية والأدبية الأخرى هو وجه آخر من وجوه تفعيل الممارسة النقدية وتطويرها حتى تستطيع مواكبة تطور التجربة الشعرية وفتوحاتها الجديدة على أكثر من مستوى.

لذلك يواصل الشعر تجربته دون أن يواكبه جهد نقدي يعيد إليه قيمته الإبداعية وحضوره في المشهد الثقافي العربي على الرغم من التطور الذي بلغته تجاربه الأصيلة والهامة، الأمر الذي انعكس سلبا على واقع هذه التجارب وقدرتها على استعادة الحضور الذي يليق بها. إن تطور هذه التجارب يستدعي تطورا في الرؤية النقدية وأدواتها المنهجية حتى يتحقق الحوار بلغة مشتركة يمكن لكل منهما أن يصغي من خلالها إلى الآخر ولا أظن أن النقد يحاول كثيرا أن يعي هذه المعادلة أو يحاول استيفاء شروطها خاصة مع هذه الحالة العجيبة التي تعيشها الثقافة العربية في زمننا الراهن.

14