الشعر يولد من مغامرة الحرية وهذا ما لا يتاح للشاعرات

يعيش في الكويت جيل أدبي عالي المزاج، لا يحمل هوّية ثبوتية تنتمي للأرض، لكنه يحمل إبداعه العابر للجغرافيا، والساكن في قلوب الناس، فحيثما حلّ حلّت هويته في تفاصيل اشتغالاته الأدبية. الشاعرة شهد الفضلي واحدة من الأصوات الشعرية التي تمتلك نصها الخاص الخارج من هذا الألم الجغرافي الذي يعيشه مبدعون من الكويت على مدى عقود متتالية. توقفت معها “العرب” في هذا الحوار حول تجربتها الشعرية الأخيرة، وحول بعض القضايا الثقافية الأخرى.
الأربعاء 2018/01/17
رهانات المرأة المبدعة في عالم الصراعات (لوحة للفنانة سهير السباعي)

أصدرت الشاعرة شهد الفضلي، من مواليد الكويت ولا تحمل جنسيتها، مؤخرا مجموعتها الشعرية الثانية “دارتس″، التي تأتي بعد مجموعتها “فاصلة منقوطة” الصادرة عام 2013. وترى أنه من المبكّر الحديث عن الجديد، ولكنها تقول لـ”العرب” إن “العمل القادم سيشبهني أكثر”.

تأخذنا مفردة “دارتس″ إلى عتبة نصية ترتبط بالتسديد واللعب والحظ والمغامرة والمنافسة ضمن مناخات لعبة السهام المريشّة “دارتس″. وكأن الشاعرة تختصر العالم مجازيا من خلال هذه اللعبة، فهي تقوم على مهارة التصويب دون يقين بالقادم؛ ومثلها الحياة بنظر الفضلي حيث نعيشها بتفاصيلها الكثيرة وأحداثها المتتالية بتجريب واضح للحظ والمجازفة التي يحركنا فيها الشّغف دون احتساب دقيق للأرباح والخسائر، فقط يتغيّر الرقم في خساراتنا (الرابحة) ودرجتها بحسب أهمية المفقود عندنا.

مخلص الإنسان

تقول شاعرتنا متحدثة عن مناخات المجموعة “دارتس هي لعبة عالمية حماسيّة تستحضر فيها قدراتكَ، لتلعب وتترقّب النقاط التي تتناقص مع كلّ رمية للسهم لتفقد الـ(501) نقطة وصولا إلى الصفر، وكلّما تهاويت بسرعة، وصلت إلى الفوز أسرع. وكذلك النص الشعري في مناخه احتجت لاستحضار كلّ الخيبات دفعة واحدة لأحيط بأبعادها وأسقط معها رمية رمية، فمناخاتها مزيج من وجع الكنايات في البحر المريض بالشهداء، صدى الثورات النائمة مع حكاية الغد العجوز وقهوته المرتبكة بضجر المواويل الطويلة، حقائب السفر الخاملة ورسائلها التي فقدت ظلّها لتكون ككابوس طويل على الرف؛ الوردة التي سقطت في عدم الكلام، صبر القصائد حين يُقطع وتد الأمل فتضحي كنافذة دون سماء، لا يعرف أبعادها سوى يأس النساء الوحيدات في بلاد القلب التي كانت –وما تزال- على أهبة الهاوية”.

نصوص الفضلي ومضات شعرية مكثفة بالصور وبالدلالات وبالإشارات، وكأنها تأخذ العالم كله بين ذراعيها ثم تطلقه في جمل مسكونة بالغضب واللارضى. إنها الشاعرة التي أرادت للحياة أن تكون حياة أخرى. حيث ترى ضيفتنا أن الشّعر مخلّص العمر من العطب، ولا ننجو بغيره ولا نستقيم بسواه. تقول متحدثة عن الشعر “وحده القادر على إذكاء جذوة الرغبات مع كل هذه الرتابة التي نمارسها كل يوم؛ وحده القادر على خلقنا من جديد كعنقاء بعد رماد، على جعلنا نتوازن حتى لو كنا نقف على رجل واحدة؛ الشعر ما أراهن عليه لأستمر”.

اعتراف شعري

بخلاف تجربة الفضلي مع بعض التجارب العربية القليلة، فإن هناك رأيا يذهب إلى القول إن معظم الشاعرات العربيات يجنحن للنص الرومانسي/ العاطفي، وهو نص متشابه بين جيل كبير من التجارب الشعرية.

وضمن هذا التصوّر تشير ضيفتنا إلى أن “الشعر يحتاج إلى الحريّة ليكون مُختلفا، وهذا ما لا يُتاح في تجارب الشاعرات. ولم يفلحن حتى اللحظة في اقتناصه بشكل تام ليظهر النص أمام الجميع بثبات؛ لكن على الرغم من تناقص منسوب الحريّة، إلا أنه يبقى للمرأة صوتها المتفرّد -على استحياء- في التعبير عن همومها الخاصة، ومن هنا -ربما- جاء التشابه”.

وتعّقب الفضلي على تصنيف النص بـ”الرومانسي/العاطفي”، بالقول إنها لا تستطيع تصنيف النص بهذه الحدّة، فالشعر -في رأيها بمجمله على اختلاف جنس الشاعر- هو حالة عاطفية أصيلة.

وتقول شاعرتنا في أحد نصوصها مخاطبة الموت “ربما نلتقي على طريقة سيلفيا بلاث”. هذه العبارة الشعرية قادتني مباشرة إلى قصائد الاعترافات عند بلاث، وانتحارها الشهير بعد موجة الكآبة التي حاصرتها في 1963. الأمر الذي دفعني لسؤال شهد عن رأيها في مدى قدرة الشاعرة العربية على أن تمارس الدور الشعري الذي مارسته بلاث في اعترافاتها الشهيرة.

وتجيب الفضلي “الشاعرة العربية الخارجة من بيئة محافظة -غالبا- تحتاج إلى التدّرب على الاعتراف أولا أمام ذاتها لتكون مؤهلة لبث اعترافاتها على الملأ دون خشية؛ ربما في ‘دارتس” وقبلها مجموعتي الشعرية الأولى ‘فاصلة منقوطة’، حاولت التلميح لبعضها ولكن يبقى التحفظ حاضرا وبشدّة”.

نصوص الفضلي ومضات شعرية مكثفة بالصور والدلالات، وكأنها تأخذ العالم بين ذراعيها ثم تطلقه في جمل مسكونة بالغضب

مشهد متذبذب

في معرض حديثنا عن المشهد الشعري الشبابي الجديد في الكويت ترى الفضلي أن “المشهد الشعري” وصف واسع يجب الإحاطة بكل أبعاده وأدواته وتفاصيله لنطلق حكمنا النهائي عليه؛ ولكن، في رأيها، فإن “الأصوات الشبابيّة الجديدة -والتي تعمل بجدّ على تجربتها الشعريّة- جميلة وتبشّر بخير”.

ومن جهة أخرى توضح شاعرتنا بأنه لا يمكن حصر القضايا المصيرية التي قد توحد المثقفين الكويتيين في جهة واحدة، الأمر نفسه في الأدب، فلكل كاتب رؤيته وقضيته، وهذا بتصورها يسري على المثقف الكويتي أيضا.

وتقول “ربما في الآونة الأخيرة، وبسبب الحروب التي استولت على عدة دول دون استئذان، واشتعال الصراعات المتلاحقة سياسيا في بلدان أخرى، أصبح الهمّ الإنساني يتصدّر قائمة المواضيع، ولكنه لا يوحّد الجميع، حتى التذبذب في عرض القضايا الإنسانية يعتمد على أهميتها عند الكاتب وإحساسه الشخصي بالانتماء لها”.

شاعرتنا الفضلي غير متفائلة بوجود حل قريب لملف الكويتيين البدون لا سيما وأنهم على مدى تاريخ الكويت لهم حضورهم وعمقهم الإنساني في كافة المجالات الإبداعية، لقد وصلوا شأنا كبيرا، وتقدموا على المستوى الإنساني والإبداعي لمنطقة لا يمكن تجاهلها أو القفز عليها من قبل الحكومات والمؤسسات.

وتقول ضيفتنا مختتمة الحوار “للأسف لا، لم يعد العمل مُجديا، ولم يأخذ صفة الجديّة في يوم ما، مناوشات الإنسانية التي يُبديها البعض لا يُعوّل عليها، فالقضايا المصيرية لا تُحلّ بالمزاجية؛ حتى على مستوى المثقف الكويتي، والذي يجب أن يكون أكثر وعيا بالهم البدوني، تجده يتعامل مع القضية على استحياء، لتكون كموضوع هامشي في عمل روائي. وبالرغم من كل هذه المعاول التي تحاول هدم الإنسان البدوني، إلا أنه يُناضل بالشعر، بالكتابة، بالرسم، وبالتصوير..، ليُثبت للعالم تفرده واختلافه”.

15