الشعوذة في موريتانيا تحايل مزدهر

رغم التطور اللافت للوعي البشري خاصة بعد انتشار التعليم وتعميمه في أغلب أصقاع المعمورة، إلا أن ظاهرة الشعوذة والسحر لم تختف بل زاد الإقبال عليها أمام تسارع نمط الحياة وارتفاع الضغوطات النفسية لمختلف فئات المجتمع، وخلافا للحظوة التي تلقاها هذه الظاهرة في البلدان النامية، إلا أن المجتمعات المتقدمة اتخذت منها وسيلة للتسلية.
الجمعة 2015/11/06
حكايا وخرافات غايتها ابتزاز الأموال

نواكشوط - تشهد المنطقة المحيطة بمجمع العيادات الطبية وسط العاصمة الموريتانية نواكشوط أنشطة مضاعفة للمشعوذين، وذلك بعد الحملات الأمنية في النصف الأول من هذا العام، لكنهم عادوا للانتشار مجددا منذ أواخر شهر ماي، مستغلين ضعف البعض للتلاعب بهم دون أن يتم وضع حد لأنشطتهم المشبوهة .

والطريف أن المشعوذين يتخذون من شارع محاذ لمركز صحي، مكانا لعرض خدماتهم واستقبال الزبائن الذين يفدون إليهم من كلّ أنحاء البلاد.

وإذا كان التقدم العلمي والتقني أدى إلى تراجع دور السحر والشعوذة في حياة البشر، إلا أن هذه الظاهرة لم تنقرض من العالم الراهن ولم تنحصر على فئة دون أخرى وخاصة في مجتمعاتنا العربية، ففي حين يلاحظ اقتصار السحر والشعوذة في المجتمعات المتقدمة على النشاطات الترفيهية والفولكورية، لا تزال بعض مجتمعات العالم الثالث مرتبطة جدا بعالم السحر والشعوذة والغيبيات.

وتُعد موريتانيا أكثر البلدان التي ما زالت تشهد انتشارا واسعا للسحر والشعوذة، التي تتخذ أشكالا متعددة وتحت مسميات شتى.

وقد اصطدمت الشعوذة منذ البداية بموقف الشريعة الإسلامية التي تحرّمها تحريما قاطعا وتجرّم ممارستها. حيث طوّر الموريتانيون علما آخر لا يقل غرابة عن السحر وإن اختلف عنه في الكثير من التفاصيل، وهو علم “سر الحرف” أو “الحجاب”، حيث يدعي المشتغلون استنادا إلى هذا العلم امتلاكهم قدرة خارقة في التواصل مع الجنّ وتسخيرهم لتأدية مهمات لأغراض بشرية. ويرجع الباحثون أسباب انتشار السحر والشعوذة إلى الجهل والفقر وغياب الوازع الديني واستفحال المشاكل الاجتماعية والاقتصادية، ويحذرون من تزايد أعداد الدجالين والعرافين الذين يجدون في هذه الظروف أرضية خصبة لاستغلال حاجة الناس وسلبهم أموالهم.

والممارسون لهذه المهنة في موريتانيا هم غالبا أشخاص هامشيون يبحثون عن مورد رزق مدرّ للدخل وأكثرهم من المنحدرين من الفئات الزنجية التي تتهم أحيانا بنقل تقاليد الشعوذة إلى موريتانيا من بعض الدول الأفريقية جنوب الصحراء، حيث تزدهر هذه الظاهرة بشكل ملحوظ.

البعض ينفق أموالا طائلة من أجل طرد الأرواح الشريرة وجلب الحظ والرزق والحصول على وصفات للشفاء من الأمراض وتحقيق السعادة والنجاح

ويتمركز المشعوذون في نواكشوط، لكن لا تكاد تخلو مدينة أو قرية موريتانية من عرافة أو مشعوذ أو صاحب خوارق يدعي أنه يداوي كل الأمراض والعلل المستعصية أو أن له علاقات وطيدة مع الجن يستطيع من خلالها الاستفادة من خدماتهم في رد المسروقات وتكثير العملات والأوراق النقدية أو تقريب بعيد أو حل عقد الزواج، فهؤلاء المشعوذون أو “الحجابة” يزعمون مقدرتهم على كل شيء مستعص.

يذكر أن الكثير من هؤلاء يتخذ من العاصمة الموريتانية نواكشوط مقرا، حيث يقوم المشهورون منهم بكراء منازل محترمة في المدينة لاستقبال زبائنهم بهدوء يوميا، أما العاديون منهم والذين لم تذاع شهرتهم، فتجدهم يجلسون في بعض الطرقات داخل أخبية من الخشب والقماش التي يعتمدونها كمكاتب لعملهم منذ الصباح إلى غاية المساء، وغالبا ما يتخذ هؤلاء من محيط المستشفيات العامة سكنا لهم، ليستفيدوا ربما من أصحاب الأمراض المستعصية.

وينفق الراغبون في الإطلاع على أنباء الغيب أموالا طائلة من أجل الحصول على استشارات العرافين والمنجّمين الذين يقنعون ضحاياهم بأنهم قادرون على عمل السحر الأسود وطرد الأرواح الشريرة ورد عين الحساد وجلب الحظ والرزق الواسع، وإعطاء وصفات للشفاء من الأمراض وتحقيق السعادة والنجاح.

ويشير ممادو با، أحد الممارسين لهذه المهنة، إلى أن المنجّمين يتفاوتون في خبرتهم وتمكنهم ممّا يسميه “سر الحرف”، حيث أن غالبية العاملين في هذا المجال ليسوا سوى دجالين يستغلون معاناة الناس للنّصب عليهم، بينما الأقلية هي التي تملك الخبرة والقدرة على مساعدة المحتاجين، إما بواسطة الرقية الشرعية لإبطال السحر ودرء العين والحسد ومعالجة بعض الأمراض أو باستخدام السحر الأبيض والأسود، حسب حاجة الزبون.

جدير بالإشارة أنه أمام تزايد ضغوط الحياة اليومية وكثرة الصعوبات التي تواجه الإنسان يسعى البعض إلى التردد على المشعوذين، اعتقادا منهم أن الاتصال بعالم الجن سيمكنهم من تحقيق النجاح والسعادة والثراء، ليكتشفوا بعد فوات الأوان بأن العراف الذي قصدوه ليس سوى نصاب محترف.

20