الشعوذة مرتبطة بالثقافة الصوفية والروحانية للمجتمع المغربي

الأحد 2016/04/17
البحث عن القوى الخارقة

الرباط - لطالما ارتبطت أعمال مثل الشعوذة والسحر بالمرأة في المجتمعات العربية، حيث تلجأ الكثير من النساء العربيات للبحث عن الحلول الميتافيزيقية لمشاكلهن الاجتماعية والعائلية والاقتصادية والمرضية، من خلال كشف الطالع أو التمائم (الحروز)، بحيث كلما أحست المرأة العربية، أو المغربية على وجه الخصوص، أنها مهددة في استقرارها العائلي، كلما لجأت إلى الحلول الوهمية وإلى العرافات والمشعوذين.

في المغرب تعدّ ممارسة السحر والشعوذة امتدادا لأنثربولوجيا ثقافية وتاريخية، تطورت في المغرب حتى أصبحت مصدرا اقتصاديا وموردا للاغتناء السريع، بل وفرضت نفسها بقوة ضمن البنية الاقتصادية وتعايشت مع كل المجالات الاقتصادية، حتى أن البعض تخصص في بيع المواد الخاصة بعالم الشعوذة، ومنهم العطارون والمتخصصون في بيع الأعشاب والبخور وأعضاء الحيوانات الغريبة والنادرة، وبيع جلود الحيوانات، والتي تباع بأثمان باهظة.

ويرجع علماء الاجتماع بالمغرب أسباب تزايد أعداد المتعاطين للشعوذة والسحر، إلى أسباب تتعلق بما هو تراثي وثقافي واقتصادي وتعليمي، كما أن الجهل والفقر من أهم الدوافع الموضوعية التي تدفع بعض فئات المجتمع المغربي إلى مثل هذه الأعمال.

في اتصال مع “العرب” قال محمد عبدربه أستاذ علم الاجتماع بجامعة الحسن الثاني إن “الشعوذة في المغرب، هي امتدادا لأنثروبولوجيا ثقافية وتاريخية، ثم لا ننسى أن المجتمع المغربي له معتقدات راسخة وهي الاعتقاد في الجن، الاعتقاد في العين، والاعتقاد في السحر وأيضا الاعتقاد في البركة والكرامة، ونعرف أن المجتمع المغربي له تشبث كبير بالحياة، وبالتالي فكلّ شخص يمكنه أن يمنح نوعا من الأمل، إلا ووجدت بعض المغاربة يتشبثون به”.

وأشار عبدربه، إلى أن هناك بعض العوامل تدفع بعض شرائح المجتمع خاصة النساء، إلى أعمال الشعوذة المرتبطة أساسا بالسحر والعرافة، وتتمثل في تنامي بعض المشاكل الاجتماعية كالأمية والبطالة والإحساس بالتهميش والإقصاء الاجتماعيين، ولا شك أن ثقافة الشعوذة التي تتعلق بالقوى الخارقة، أمر يرتبط بشكل كبير بفئة تعاني من فراغ على المستوى الثقافي والعقائدي، الشيء الذي يجعل هذه الفئة تقع في فخ الدجل والنصب على طالبي الحلول الميتافيزيقية. بالإضافة إلى عوامل نفسية كالشعور بالاضطراب والخوف من الفشل، والتي لها أدوار بارزة في امتثال الشخص، كيفما كان، لأعمال الشعوذة والسحر من أجل تلبية رغباته عن طريق الخرافة والدجل.

ثقافة الشعوذة ترتبط بشكل كبير بفئة تعاني من فراغ على المستوى الثقافي والعقائدي، الشيء الذي يجعل هذه الفئة تقع في فخ الدجل والنصب على طالبي الحلول الميتافيزيقية

وأشار أستاذ علم الاجتماع، إلى أن الظاهرة، لم تعد تقتصر اليوم فقط على الفئات الفقيرة والمهمّشة وعلى النساء، بل استطاعت توسيع قاعدتها لتشمل الفئات الثرية وأيضا الرجال.

ويرى أنه للحد من هذه الظاهرة، التي يمكن أن يكون لها أثر خطير، يجب تكثيف الجهود وتعاون الجميع ابتداء من الدولة والمجتمع والأسرة والأفراد والمدرسة وجميع فعاليات المجتمع من أصحاب الكفاءات العلمية.

ودائما ما استعملت أعمال الشعوذة وسيلة لتجاوز مشكلات الحياة العصيبة، وكانت ملاذا للباحثين عن الوهم حين تنقضي الآمال في العيش والعلاج والاستقرار، ولعل هذا ما يجعل أعمال الشعوذة تحافظ على وجودها عند بعض المغاربة.

وما يزيد الأمر طرافة هو تفجّر أنباء عن بعض القادة السياسيين وموظفي الدولة البارزين، في الانتخابات التشريعية السابقة، والذين لجأوا للمشعوذين للاستشارة قبل اتخاذ القرار على أمل الحفاظ على مناصبهم ومواقعهم في التشكيل الحكومي والانتخابي.

وترجع عدة دراسات سوسيولوجية تجذر ثقافة الشعوذة عند بعض فئات المجتمع المغربي، إلى أن المغرب يعد بلد “أولياء الله الصالحين” وبلد “الزوايا” ومجمّع “الصوفية” على مختلف مذاهبها، وهو ما يشير إلى أن تنشئة المجتمع المغربي الاجتماعية هي تنشئة روحانية وصوفية تنهل من مرجعية القوى الخارقة لعدد من أولياء الله، ورجال الدين هم متصوفة ذاع صيتهم تاريخيا لكراماتهم وقدراتهم التي لا يزال المغاربة يرددونها إلى اليوم.

الشعوذة بالمغرب متجذرة بحكم طبيعة المجتمع المغربي الروحانية والتصوّفية، حيث أن مدينة الدار البيضاء لوحدها تضم 73 ضريحا، إضافة إلى 38 زاوية، وكل هذه الأماكن تعرف رواجا كبيرا وزيارات منظمة، وتخصص بطقوس خاصة ودقيقة.

وأشهر الأضرحة المتواجدة في المدينة هو ضريح “سيدي عبدالرحمن مول المجمر”، صاحب الموقد الطيني الذي يستعمله المغاربة لطهي الطعام، ولإحراق البخور، ويقع قرب شاطئ عين الذئاب في الدار البيضاء وله بناية على شكل “قبة” على أعلى مرتفع صخري وسط مياه البحر عند المد، تزوره النساء أملا في العلاج من مشاكل شخصية أو أسرية، ولإبطال مفعول السحر من خلال التبخر عنده ببخار الرصاص المذاب.

كاتبة من المغرب

20