الشعور بالذنب وخيبة الأمل مشاعر سلبية منبعها الندم

العديد من الأشخاص يعتقدون أن قراراتهم لها فرضيات نتائج واحتمالات أخرى بعيدة تماما عما تحقق في حال اختاروا بديلا آخر عن القرار الذي اتخذوه. هذا الأمر يولد شعورا بالذنب يترك وراءه جملة من الآثار العاطفية والعصبية ومشاعر أخرى سلبية
الأربعاء 2018/11/21
التطلع إلى الخلف لا يجدي نفعا

في تقدير أغلب العاملين في حقول علم النفس، فإن الشعور بالندم هو من أكثر المشاعر السلبية التي تراود الناس في حياتهم اليومية، ويمكن أن تباغتهم حتى في أفضل حالاتهم.

ويستند الندم عموما على الاعتقاد بأن نتيجة أي عمل أو قرار تم في الماضي ستكون أفضل بالتأكيد، لو أن الاختيار وقع على بديل أو خيار آخر غير الذي كان.  وترى شوبا سرينيفاسان؛ أستاذة علم النفس السريري في مدرسة كلية الطب في جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلس الأميركية، أن معظم القرارات التي نتخذها ونندم عليها في ما بعد تتعلق للأسف بجوانب أساسية في حياتنا؛ كالدراسة والعمل والزواج والإنجاب وغيرها.

وعندما يباغت المرء الشعور بالندم فإنه يترك وراءه جملة من الآثار العاطفية والعصبية والمعرفية، كما ترافق شعور الندم مشاعر أخرى سلبية؛ مثل الشعور بالذنب، خيبة الأمل، لوم الذات والإحباط.  الأهم من ذلك، أن الشخص الذي تتمكن منه هذه المشاعر ينخرط بالضرورة في مجموعة من الممارسات الإدراكية المزعجة؛ في محاولة غير مجدية لفهم أسباب اتخاذ القرارات غير الصائبة أو أسباب التصرف السيء في الماضي، ولماذا فاتته خيارات أخرى كانت واضحة وجليّة وأكثر جدوى ومن شأنها أن تحقق نتائج أفضل.

من جانبهم، تنـاول الفلاسـفة فكـرة النـدم مـن الجانب الأخلاقي والذي يتعلق بالضمیر تحديدا، في حين أن فكرة الندم ارتبطت أيضاً بالجانب الدیني لدى الـبعض الآخـر مـن الناس. ویعـد سـبینوزا علـى رأس الفلاسـفة العقلانیـین، الـذين اعتبـروا أن النـدم لـیس فـضیلة كما قد يراه بعض المتخصصين من منظورهم الخاص.

یقول سبينوزا “إن الندم لیس فضیلة، وبعبارة أخرى النـدم لا یتولـد مـن العقـل، لكـن مـن ینـدم علـى مـا فعـل یعد شقیا أو عاجزا مـرتین”. ویـشیر إلـى النـدم بأنـه “الحـزن المـصحوب بفكـرة فعـل نعتقـد أننـا فعلنـاه بقــرار حــر مـــن عقلنــا”.  كما أنه يعرّف الندم فــي موضـــع آخــر بقوله “النــدم حـــزن مــصحوب بفكــرة عـــن الــذات بوصـــفها السبب”.

هناك حالات ندم شائعة تتعلق بلوم الذات ليس على عمل خطأ اقترفه المرء أو قرار خاطئ تورط فيه، بل إن أغلب الناس يأكلهم الندم لأنهم لم يحسنوا التصرف في مواقف معينة تطلبت منهم ردا حاسما إزاء سلوك الآخرين العدواني. غالبا ما نسمع من أصدقاء وأشخاص مقربين عبارت من مثل “كانت مفاجأة حين باغتني هذا الشخص وعبّر عن رأيه بكل صراحة في ما قدمت من عمل، لماذا لم أرد عليه بكلمات جارحة مثلما فعل، لماذا لم يكن ردي حاضرا؟”، أو أن تصرح إحدى الصديقات في مناسبة عامة وهي ترتجف من الغضب بسبب ملاحظة جارحة أبدتها سيدة تجلس إلى جابنها “كان عليّ أن أرد الصاع صاعين لها، لماذا اكتفيت بالصمت حينها، أشعر بالغضب من نفسي، كان عليّ أن أذكرها بأخطائها هي، لماذا انعقد لساني يا إلهي!”.

الندم يثير مشاعر النقمة على الذات، إلا أن التعامل الصحيح معه يحول هذه المشاعر باتجاه التعرف إلى طريقة التفكير

يختلف باحثون حول السبب الوجيه الذي يمكنه أن يحفز الندم، فيرى البعض أن توفر “فرصة التصحيح” هي الدافع الأقوى للندم؛ بمعنى إذا ظهرت فرصة سانحة لتصحيح خطأ ما قمنا به في الماضي وتسبب في مشاعر الندم، فإن هذه المشاعر تزداد كثافة كلما شعرنا بأن الإصلاح أصبح ممكنا ويتوجب علينا أن نتخذ خطوة باتجاه ذلك. ويتضح هذا الأمر أكثر في مجال التعليم؛ حيث يظهر العديد من الناس ندما على ضياع الفرصة للدراسة أو لاختيار مجال معين، وغالبا ما تكون الفرصة سانحة لتصحيح الخطأ وفرصة التصحيح هذه تكون متاحة للجميع، في حين التلكؤ في إجراء التصحيح يضاعف مشاعر الندم لأن إجراءات التصحيح متاحة وبالتالي، لا يوجد سوى القليل من التبريرات للاستمرار في الخطأ.

يتبنى بعض المتخصصين وجهة نظر معاكسة تماما، فهم يؤكدون أن مشاعر الندم تزداد حدة عندما لا تعود هناك فرصة لتصحيح القرار، أي أن الفرصة التي كانت موجودة في السابق ولم يتم استغلالها قد ضاعت الآن. ويمكن القول إن لعامل السن تأثيرا كبيرا في ضياع الفرص أو تضاؤلها؛ وعلى الرغم من أن التعليم متاح لكل الأعمار إلا أن كبار السن يجدون صعوبة ما في الانتظام مجددا في صفوف الدراسة والتأقلم مع أجوائها وتحمّل أعباء المذاكرة ومتابعة الدروس والبحوث، كذلك الحال في ما يتعلق بالعلاقات العاطفية فإن فرص الحصول على شريك مناسب في هذه السن تكون نادرة، فضلا عن الضغوط النفسية التي ترافقها كونها الفرصة الأخيرة. في حين تقل مشاعر الأسف والندم عندما تكون العوائق المادية مثلا سببا في ضياع الفرص؛ حيث يجد بعض الناس العزاء في تفويت فرص التعليم أو بناء منزل أو السفر بسبب ضيق ذات اليد.

يمكن أن يثير الندم مشاعر النقمة على الذات وعدم الرضا عن الحياة، إلا أن التعامل معه بشكل صحيح من شأنه أن يحوّل هذه المشاعر باتجاه آخر، يساعد الناس في التعرف إلى طريقة تفكيرهم والأسباب الكامنة وراء تصرفاتهم وقراراتهم التي يعدونها غير صحيحة ومتسرعة، إضافة إلى الدوافع التي جعلتهم يتخذون خيارات معينة دون غيرها، وبالتالي يمكنهم التعلم من قراراتهم الخاطئة حتى وإن كان هذا في المرحلة الأخيرة من حياتهم.

عموما، ينصح خبراء علم النفس الأشخاص الذين تراودهم لحظات ندم كثيرة، بتجنب التوقف كثيرا عند الفرص الضائعة وعدم الاستغراق في إعادة تقييم الماضي، إذ أن الأهم التركيز على المستقبل القريب وما قد تحمله الحياة من فرص قادمة ستمكنهم من تعويض ما فاتهم.

21