الشعور بالمهانة منبع لا ينضب للانتكاسات النفسية

الأربعاء 2014/07/16
ينصح الأشخاص الذين يتعرضون لانتقاد سلوكهم الخاطئ بعدم الاستسلام لمشاعرهم السلبية

أياً كان نوع الخطأ الذي يقوم به شخص ما أو مدى جديته أو تفاهته، فإن تنبيهه إلى ذلك قد يفسر بأنه يدخل في إطار التعالي وسوء التصرف من قبل الآخرين، خاصة إذا حدث هذا الأمر في محفل عام.

يسبب إراقة ماء الوجه أمام الآخرين شعوراً متعاظماً بالمهانة عند بعض الناس الذين يتمتعون بحساسية مفرطة تجاه النقد وخاصة غير المبرر منه. في بعض الأحيان، يلعب أخلص أصدقائنا وأقرب المقربين منا هذا الدور المقيت من دون وعي منهم، حيث يشيرون بابتهاج – هو أقرب للتشفي – إلى أخطائنا في كل مناسبة خاصة أو عامة في أسلوب قد يرى الآخرون بأنه يفتقد للحكمة ويخلو من اللباقة واحترام المشاعر.

ترى الدكتورة سوزان كراوز، أستاذة علم النفس في جامعة ماساتشوستس الأميركية، بأن هؤلاء الذين يتصيدون أخطاءنا بصورة مقصودة أو غير مقصودة يمكنهم أن يكونوا أكثر حكمة وعطفاً إذا استخدموا اللباقة في طريقة حديثهم معنا أو في الأقل، تجنبوا إصدار ملاحظاتهم في حضور الغرباء أو أمام تجمع من الناس في محفل عام أو في مناسبة اجتماعية عائلية، الأمر الذي سيضاعف حتماً من حرجنا وشعورنا بالمهانة ويعكس صورة مقيتة لهؤلاء الأصدقاء الذين سيظهرون بمظهر غير مقبول، حتى من وجهة نظر الغرباء الذين يتورطون في المشهد المحرج رغم أنفهم. كما أن الشعور بالمهانة أو الحرج من قبل الشخص الذي يرتكب خطأً هو الدليل على أن تصرف الآخرين لتنبيهه لم يكن يتسم بالكياسة والذوق.

ويعرّف الشعور بالمهانة، على أنه إحساس متدن بقيمة الذات مقارنة بالآخرين. وعند ارتكاب خطأ ما أو الفشل في الإجابة عن سؤال ما وخاصة في الاختبارات المدرسية، قد يشعر المرء بالضيق من نفسه والتقصير تجاه واجباته وتدني مستوى ثقته بذاته، إلا أن الشعور بالمهانة لا يتم إلا إذا ارتــكب هـذا الخطأ أو التقصير في حضور شهود يتصادف وجودهم في المكان والزمان الخطأ.

الشعور بالمهانة أو الحرج من قبل الشخص الذي يرتكب خطأ هو الدليل على أن تصرف الآخرين لتنبيهه لم يكن يتسم بالكياسة والذوق

وعلى الرغم من أن الشعور بالمهانة والإذلال يمثل عاطفية سلبية محبطة للسلوك ومنبعاً للعديد من الانتكاسات النفسية والجسدية، إلا أن المتخصصين في علم النفس لم يسلطوا عليه ضوء أبحاثهم بصورة وافية؛ حيث تركز الأبحاث النفسية عادةً على مشاعر مثل الغضب والقلق والغيرة والخوف، وقد يرجع السبب في ذلك إلى أن هنالك روابط معينة ومؤكدة ذات صلة وثيقة بمثل هذه المشاعر؛ فالغضب له تأثير سيء على الوضع الصحي للإنسان، فيما يضعف القلق من الأداء العام أما الغيرة فتؤدي في الغالب إلى تأزم العلاقة بين الأفراد، في حين قد يطور الشعور بالخوف عصاب الرّهاب (الفوبيا) وهو الخوف الشديد غير المنطقي من أشياء أو أماكن معينة.

في هذا الإطار، أجرى عالما النفس الهولنديان مارت أوتن وكاي جوناي من جامعة أمستردام، تجربة ترصد التغيرات التي تجري في عمل الدماغ أثناء التعرض لمشاهد و(سيناريوهات) متنوعة، من شأنها أن تثير العديد من المشاعر الإنسانية كرد فعل وذلك بمشاركة مجموعة من المتطوعين.

وتم قياس نوع وشدة الاستجابة التي أظهرها المشاركون اعتماداً على البيانات التي سجلها الدماغ؛ من ناحية سلبيتها وشدتها.

ولدى إجراء مقارنة بين ثلاثة أنواع من المشاعر، استنتج الباحثان بأن استجابة الدماغ في حالة التعرض لشعور المهانة والإذلال كان أكثر سلبية من شعور الغضب كما أنه كان أكثر حدة من الشعور بالسعادة. ومن خلال هذه النتائج الرائدة، يتضح بأن الدماغ لا يتفاعل إيجابياً مع الشعور بالمهانة، إضافة إلى أن هذا الشعور لا يمثل تجربة مقيتة للأفراد فحسب، بل أن درجة تنشيط وتحفيز الدماغ في هذه الحالة قد تتجاوز في شدتها الجهد المبذول في حالة اختبار مشاعر إنسانية كانت تبدو – إلى حد ما – أشد ضرراً وذات تأثير سلبي مثل الغضب والخوف الشديد.

إذا كان هدف الشخص النصح وليس الانتقاد فينبغي عليه أن يتخذ جانب الحذر وأن يوظف نقده البنّاء وفق شروط معينة

وتؤكد الدكتورة سوزان كراوز – مرة أخرى- على أن المشاعر السيئة قد تطال الشخص المقابل بصورة أو بأخرى، حيث يقع بعض الأشخاص ضحية لسلوكهم غير اللائق مع الآخرين. وترى كراوز صاحبة مؤلف “البحث عن الكمال”، بأن الشخص الذي يتعمد إحراج الآخرين وتصيد أخطائهم بصورة متعمدة عرضة أيضاً لمشاعر متناقضة من الندم واحتقار الذات، حيث تبدأ هذه المشاعر بملاحقته حالما ينتهي الموقف الذي تسبب فيه بإحراج الآخرين. وأيا كانت دوافعه في ذلك، فإنه سيقبع مطولاً تحت سيطرة الشعور بتأنيب الضمير وستتعرض صورته للتشويه أمام الآخرين.

أما إذا كان هدف هذا الشخص النصح وليس الانتقاد، فينبغي عليه أن يتخذ جانب الحذر وأن يوظف نقده البنّاء وفق شروط معينة تجنباً لإهانة وإيذاء الآخرين نفسياً.

ومن جانب آخر، تنصح كراوز الأشخاص الذين يتعرضون لانتقاد سلوكهم الخاطئ بعدم الاستسلام لمشاعرهم السلبية، وأن ينظروا إلى دوافع هؤلاء الذين قد يكونون من أقرب الناس إليهم وأن يتعاملوا معها لمصلحتهم وليس العكس؛ حيث تسهم بعض النصائح وخاصة المتعلقة بالأخطاء السلوكية أو الأخطاء في الأداء الدراسي في تعديل السلوك وفي إحراز نتائج دراسية أفضل، حيث تمثل طريقة تعديل الأخطاء أفضل الطرق الحديثة المتبعة في عملية التعلم.

21