الشعور بالندم حمل ثقيل ينوء تحته أصحاب القلوب الرقيقة

الأربعاء 2015/04/29
لوم الذات وجلدها بإفراط يتسببان في الإصابة بالقلق والضيق النفسي

يرتكب الناس بعض الهفوات والأخطاء والقرارات غير الصائبة، كجزء من منظومة وجودهم داخل شبكة من العلاقات مختلفة الأوجه مع بعضهم البعض والتي تربطهم بهذا العالم من خلال محيطهم الاجتماعي والأسري، لكن هذه الأخطاء والقرارات الفاشلة تبدو مرتبطة بقوة بشعور دائم يتملكنا فينغص علينا حياتنا في كل الأوقات، حتى في أوقات النجاح والإنجازات المهمة، الشعور بالندم على ارتكاب الخطأ وعدم التمكن من الخروج من نفق جلد الذات الذي تمر من خلاله صور لوم النفس التي تصطف في صورة كلمات مثل: “ماذا لو لم أفعل ذلك؟” أو “لماذا تسرعت في فعل هذا الأمر” وغيرها من الأسئلة التي تقف حجر عثرة بيننا وبين الماضي المليء بالأخطاء غير المخطط لها.

المفارقات المتعلقة بالشعور بالندم قد تقودنا إلى اتجاهين مختلفين كرد فعل للتخلص من هذا الشعور المزعج، فالندم يدفعنا باتجاه تعزيز مواقفنا المقبلة كي نتجنب ارتكاب الأخطاء ذاتها. وحين نحفز أنفسنا بالقول: “حسنا لن أدع مثل هذه الفرصة تفوتني في المرة المقبلة”، فإننا قد نجعل من التجربة الفاشلة دافعا للنجاح أو لتجنب الهفوات والقرارات الخاطئة، لكن هذا الشعور قد يدفعنا إلى اتجاه معاكس، حيث يتملكنا الشعور بالذنب ويعيق من محاولة إصلاح أنفسنا حين نخاطب ذواتنا بالقول: “لو أنني لم أواصل الاستماع لهم لجنبت نفسي كثيرا من الحرج” أو “لو قبلت عرض العمل هذا لتحسنت ظروفي المادية كثيرا، لماذا فعلت ذلك؟” وغيرها الكثير من علامات الاستفهام التي قد تحبط أي أمل في تغيير الواقع.

البعض يرتكبون أخطاء كبيرة في حق أنفسهم والآخرين ولا يراودهم أي شعور بالندم ولا يظهرون أي مسؤولية أخلاقية

تؤكد بيغ ستريب، مؤلفة وأستاذة في الفلسفة من جامعة كولومبيا الأميركية وناشطة في مجال العمل الاجتماعي، على أن بعض الناس يواجهون أخطاءهم والشعور بالندم الذي يرافقها بنظام مناعة نفسي يصوّرها لهم كونها ضرورة في تجربتهم الحياتية نزولا عند رغبة صاحب المثل الذي يقول إن “الضربة التي لا تقتلك تقويك”، وهو ما يعرّف علميا بأسلوب التفكير الإيجابي في الحياة، وهو يتفق تماما مع نظرية، آرثر ميلر الروائي والكاتب المسرحي الأميركي، التي ترى بأن: “كل ما يمكننا أن نقوم به في نهاية المطاف، هو أن نندم بصورة صحيحة”.

من ناحية أخرى، فإن أكثر ما يثير الاهتمام أن مشاعر الندم هذه ليست جزءا من مكوناتنا الشخصية مثلما تبدو العواطف الأخرى الأساسية: كالحزن والفرح والخوف، فالصغار لا يعرفون أو يعبّرون عن شعور الندم، كما أنه لا يوجد تعبير في الملامح البشرية يمثل هذا الشعور كتعابير الفرح والحزن والغضب التي تظهر على أصحابها في إشارات وتعبيرات جسدية واضحة. وحسب دراسة حملت عنوان “نظرية الندم” لمارسيل زيلنبرغ وريك بيترز التي نشرت في مجلة “علم نفس المستهلك” الأميركية في العام 2007، فإن الأطفال يكتشفون مشاعر الندم للمرة الأولى في سن السابعة تقريبا، حيث يعمدون إلى استخدام تعبيرات مثل “لو” أو “إذا لم”، لعجزهم عن التعبير الجسدي عن تلك المشاعر الغريبة التي تعتريهم. ولم يتوصل متخصصون في علم النفس بعد إلى مصدر هذا الشعور لدى الإنسان البالغ، وهل هو متأت من قرارات أو أفعال في غير محلها قد يقوم بها الشخص أم بسبب تقاعسه عن قرارات وأفعال لم يقم بها أصلا.

الندم على تضييع فرصة تسوق في وقت التخفيضات لا يشبه الندم على اتخاذ قرار فاشل في الزواج من شخص غير مناسب

وهنالك -بالطبع- مراحل ومستويات للندم، فالندم على تضييع فرصة تسوق في وقت التخفيضات لا يشبه الندم على اتخاذ قرار فاشل في الزواج من شخص غير مناسب، وبالتأكيد فإن الشعور الكبير بالندم مصدره فعل أو قول صدر عنا ولا يمكن استرجاعه أو التراجع عنه، وهذا الأمر قد لا يسري على الجميع فالبعض يرتكبون أخطاء كبيرة وكثيرة في حق أنفسهم والآخرين ولا يراودهم أي شعور بالندم ولا يظهرون أي مسؤولية أخلاقية تجاه أخطائهم، هؤلاء فئة محظوظة من البشر يتمتعون بذاكرة هزيلة وعمر مديد.

إلى ذلك، ربطت دراسات ميدانية متعددة بين الشعور المتعاظم بالندم والإصابة بالاكتئاب ومنها: دراسة باسم “الندم المتكرر، الاكتئاب والقلق” نشرت نتائجها في مجلة “علم النفس الاجتماعي والعيادي” في العام 2009، حيث يتسبب لوم الذات وجلدها بإفراط والتفكير مرارا بالخسارة المتأتية من اتخاذ قرارات فاشلة، في الإصابة بالقلق والضيق النفسي اللذين يؤديان بدورهما إلى الاكتئاب، في حين قد تكون النساء عرضة بصورة أكبر لنتائج تهويل الأخطاء ولوم الذات بسبب حساسيتهنّ النفسية المفرطة.

وتبين بيغ ستريب أن الندم شعور سلبي يمكن أن يسفر عن نتائج سلبية أو إيجابية، وتنصح بأهمية استثماره في تصحيح السلوك المقبل، وينبغي على الناس أن يتحققوا جيدا من الأسباب والظروف التي جعلتهم يتخذون قرارات خاطئة، فعلاقة الزواج أو الصداقة التي تثمر عن ندم قد لا يكون مصدرها قرار غير صائب من طرف واحد هو بالضرورة الطرف الذي يشعر بالندم، وفي أغلب الحالات لن يكون هنالك مزيد من الخيارات المتاحة الأمر الذي يجعل من القرار الخاطئ مجرد إجراء فرض على صاحبه سواء أكان بوعي أو دون وعي.

21