الشعور بالندم.. ضريبة لمعاقبة الذات وتجنب ارتكاب أخطاء جديدة

نقدم على اتخاذ العديد من القرارات الخاطئة في حياتنا، وقد تولد شعورا جارفا بالذنب عندما تستدعيها ذاكرتنا كلما بدت أمامنا نتائجها المدمرة، بعض هذه القرارات قد ينم عن سوء تصرف أو قلة دراية أو نزول عند نصيحة من أحدهم، وقد تكون مجرد قرار غبي يتخذه أحدنا على عجالة من دون أسباب منطقية على الرغم من توافر خيارات بديلة.
الأربعاء 2016/04/13
المقارنة الخاطئة بين الخسائر والمكاسب تفاقم الشعور بالندم

أيا كانت التفاصيل المصاحبة للشعور بالندم، فإن الاستسلام للرأي الذي يقول “عش حياتك من غير ندم”، قد يعمق من مرارة هذا الشعور إذ أن تجاهلنا لأخطائنا وعدم معاقبتنا لأنفسنا على زلاتها قد يبدل شعور الندم هذا بشعور أقسى بالخجل وقد يمنحنا فرصة أخرى للتمهّل وإعادة ارتكاب أخطاء جديدة، مع التعتيم على معطيات المنطق والقفز على الخيارات البديلة.

وترى الدكتورة مارسيا رينولدس، أخصائية في علم النفس التنظيمي ومديرة معهد التدريب والرعاية الصحية في ولاية كارولاينا الأميركية، أننا جميعا يمكن أن نتعرض لهذا الشعور المزعج بالندم لخوفنا من الفشل بعد اتخاذ قرار غير مدروس بسبب عدم قدرتنا على التنبؤ بالمستقبل ومعرفة ما ستؤول إليه الأمور، ولأننا قد لا نجد أحيانا مبررات كافية لتبرير هذه الأخطاء وتجاوز مخاوفنا.

وفي كتابه “التعثر بالسعادة”، يؤكد دانيال غلبرت عالم النفس في جامعة هارفارد، على أن بعض الأشخاص يخفقون في تقدير الأمور التي يمكنها أن تجلب لهم السعادة والرضا في المستقبل، حيث يقعون في الغالب تحت تأثير الوهم في قدرتهم على استنباط عناصر هذا المستقبل، فينبني قرارهم الحالي على تجارب الماضي وعندما تتحول الأمور إلى اتجاه آخر غير متوقع، يبدأون بتأنيب أنفسهم على سوء التقدير.

ولعل بعض القصور في أوجه ذاكرتنا، قد لا يعطينا المعلومات الكافية عن أحداث وتجارب الماضي وهنا يكمن السبب ربما. ويرى غلبرت أن الناس في الغالب يشعرون بالندم على ما لم يفعلوه وليس على ما فعلوه وفشلوا فيه، فالبعض يندم على عدم التحاقه بالجامعة أكثر من ندمه على قبول وظيفة لم تحقق طموحاته، حيث يتعامل دماغ الإنسان مع الأخطاء التي تنم عن شجاعة اتخاذ القرار بشكل أفضل من الأخطاء التي تنم عن جبن وتراجع صاحبها عن اتخاذ قرار ما.

اتخاذ قرار ما قد يمنح المرء أحيانا شعورا بالرضا والثقة وربما الأمل ولهذا يقدم أحدنا على اتخاذ بعض القرارات المتسرعة استجابة لهذه المشاعر

ولكن، قد يخطر ببالنا هذا السؤال: إذا كان قرارنا نابعا من خيار آخر غير الذي تبنيناه، هل من الممكن أن نكون أكثر سعادة الآن؟

يرى مختصون أن الندم غالبا ما يقوم على عقد مقارنة خاطئة بين الخسائر والمكاسب؛ فالشعور بالفشل الذي يولده الندم قد يعني عند البعض، الفشل في جمع الثروة التي يحلمون بها أو شراء منزل كبير أو الزواج بمن يحبون وهكذا، في حين أن المنطق يوصي بالاستمتاع بعطايا الحاضر حتى وإن كانت بسيطة لكنها قد تحقق الرضا والسعادة، عوضا عن شعور مزعج بالندم والسخط على كل شيء. ويوصي غلبرت بأهمية إعادة تقييمنا لما نرغب في تحقيقه وما نستطيع تحقيقه على أرض الواقع، تماشيا مع ظروفنا وقدراتنا وحاجاتنا والاستمتاع بما نمتلكه في البداية قبل أن يلوح لنا هذا الطموح الجديد.

من جانبها، تضع رينولد مجموعة من الخصائص الشخصية للأفراد الذين لا يغفرون لأنفسهم في العادة بسبب سوء الاختيار، ويجلدون ذواتهم في كل لحظة تستدعي فيها ذاكرتهم خطوة أو اختيارا فاشلا اتخذوه في الماضي، ومن أبرز سمات هؤلاء غضبهم وسخطهم المستمر وتأنيبهم لذواتهم على الأخطاء التي ارتكبوها إضافة إلى شعورهم المستمر بالخجل والحرج بسبب عدم تحقيقهم لطموح عقدوا آمالهم عليه، كما أنهم كثيرا ما يتخيلون أو يتمنون بأن يعود الماضي ثانية وتتاح لهم فرصة أخرى لاتخاذ قرار مختلف والركون إلى خيار غير الذي راهنوا عليه، وأهم من ذلك، فإن هذا النوع من الأشخاص ومع تراكم القرارات الخاطئة والأخطاء ربما عن طريق المصادفة، فإنهم يميلون للاستسلام للأمر الواقع، ونادرا ما ينهضون من سقطاتهم المعنوية ليرسموا بداية جديدة لحياتهم، فالفشل قد يثبط طموحهم للأبد ويجعل للخوف ألف باب وباب ليتسرب إليهم من خلاله.

هناك الكثير مما سنفعله في حياتنا اليومية يمكنه أن يخفف وقع الشعور بالندم على أنفسنا

وتنصحنا رينولد بأن نتقبل شعور الندم باعتباره جزءا من حياتنا، فإذا لم تكن هنالك وسيلة للتنبؤ بالمستقبل، وهذا واضح إلى حد كبير، فكيف يمكننا أن نتخذ قرارات صحيحة في المطلق؟ فمن المسلم به أن ننجح في بعض الأحيان أو نفشل في أحيان أخرى، وهذه هي شروط اللعبة، وإلا فكيف سنتعلم من أخطائنا وهفواتنا وكيف سنبلغ الحكمة لنمررها بدورنا إلى الأجيال اللاحقة.

وعموما، فإن اتخاذ قرار ما قد يمنح المرء أحيانا شعورا بالرضا والثقة وربما الأمل ولهذا يقدم أحدنا على اتخاذ بعض القرارات المتسرعة استجابة لهذه المشاعر التي تعمل كمجسات للتنبؤ بإمكانية نجاح خياراتنا، وأيا كانت النتائج مخيبة للآمال فهناك أمل ما في هذه الخسارة إذ أن مجرد المحاولة هي خطوة في الاتجاه الصحيح، أن نحاول ونفشل خير من أن لا نحاول فنستكين لضعفنا ونستسلم لمخاوفنا.

وتؤكد رينولد أن على المرء الذي يفشل ويندم أن يزيح جانبا كل مشاعر الحزن والغضب والإحباط، ليفسح المجال لمحاولات أخرى فلم يفت الأوان بعد وربما كانت القرارات الخاطئة هي التي قادتنا إلى ما حصلنا عليه من نعم في الوقت الحاضر، نعم قد لا ترتقي إلى مستوى طموحاتنا ولكنها صنعت المصادفات للحصول على أصدقاء جدد أو فرص للعمل والتعليم لم تكن ضمن أولوياتنا وخياراتنا، لكنها حققت لنا شعورا بالرضا والسعادة بطريقة ما لم نكن لنستدل عليها إذا ما أخذتنا خطواتنا في اتجاه آخر.

هناك الكثير مما سنفعله في حياتنا اليومية يمكنه أن يخفف وقع الشعور بالندم على أنفسنا، حتى إذا تمثل هذا في تقديم العون لصديق أو في تغيير مظهرنا أو زيارة حديقة عامة، فأي محاولة بسيطة ستنجح في إخراجنا من دوامة الأمل هذا إذا كنا نمتلك الإرادة لفعل ذلك.

21