الشعور بالوحدة يقصر العمر

تؤدي الوحدة التي تنبع من فقدان العلاقات البشرية إلى عدة مشاكل نفسية مزمنة، منها فقدان الثقة في النفس والآخرين ورفض المجتمع والاكتئاب، ما يفضي تدريجيا إلى أمراض عضوية خطيرة.
الخميس 2015/08/27
الوحدة تتسبب في اضطرابات نفسية وجسدية

القاهرة - كشفت دراسة أنجزت في جامعة شيكاغو الأميركية، شملت 10 أشخاص، تمّت متابعتهم على مدار خمس سنوات، أن الوحدة المبكرة في بداية السنوات الخمس كانت مؤشرا على ظهور الاكتئاب لاحقا خلال السنوات الخمس، وهو ما يشير إلى أن الوحدة ربما تكون سابقة ومسبّبة للاكتئاب أكثر مما يكون الاكتئاب مسبّبا للوحدة.

وإذا لم يكن سبب الوحدة العزلة الجسدية مثل الإقامة في مكان بعيد، فمن المنطقي الاعتقاد بأن الوحدة قد يتسبّب فيها الانزعاج والخوف من التعرّف على الآخرين ورفض المجتمع، وهو ما يُطلق عليه اسم القلق الاجتماعي، وهناك أشكال متطرّفة من هذه المشكلة، مثل عدم القدرة على مغادرة المنزل، وعدم التحدّث مع الآخرين، وربما مع الأهل أيضا، وقد يكون الشعور بالوحدة هو السبب وراء الأعراض الأقل حدة للقلق الاجتماعي، فربما تشعر أنك غير محبوب أو لا تستحق العلاقات الجيدة، مما يسبّب الخوف والقلق بشأن عملية تكوين تلك العلاقات والاختلاط بالمجتمع.

وقد أشار بحث حديث إلى أن الأشخاص المنعزلين يتمتّعون في الحقيقة بمهارات اجتماعية تفوق مهارات مَنْ ليسوا وحيدين، وهو ما يعني أن الذين يعانون من الوحدة ليسوا وحيدين لأنهم لا يعرفون كيف يتحدّثون مع الآخرين.

وأوضحت النتائج أنهم يعانون من صعوبات في تكوين العلاقات لأنهم يخشون إفسادها، فهم يخافون قول الأمور الخاطئة في المواقف الاجتماعية، ما يؤكد أن الوحدة والقلق الاجتماعي يكونان متداخلين، مما يصنع دائرة من العزلة والخوف من المجتمع.

وتُعدّ الوحدة من العوامل المساعدة التي تسبّب حدوث الاكتناز، الذي يُعرف بصفة عامة على أنه اضطراب وسواسي قهري، حيث يعوّض المرء عنصر الفقد والألم في ملء حياته بالأشياء، عندما لا يكون قادرا على ملئها بالأصدقاء المقرّبين والأسرة، فيتجه إلى الأشياء المريحة لملء هذا الفراغ، فكلما نما الفراغ قد ينمو معه جبل الأشياء.
الوحدة من العوامل المساعدة التي تسبّب حدوث الاكتناز، الذي يُعرف بصفة عامة على أنه اضطراب وسواسي قهري
وذكر جوان هاري في كتابه “اليوم الأول والأخير للحرب”، أن إدمان المخدرات قد يكون أكثر من مجرد خطافات كيميائية في المخ، حيث يفترض أن الإنسان عندما يعيش حياة مليئة بالحميمية مع الآخرين لا يصبح مدمنا على المخدرات، حتى عندما يتناول مسكنات قوية للغاية بعد التعرّض لحادثة على سبيل المثال.

في المقابل نجد أن العكس صحيح، فأولئك الذين يشعرون بالوحدة قبل تناول أيّ مخدر أكثر عرضة بكثير للإدمان، وهذا ما يؤكده البروفيسور بيتر كوهين الذي يقول: إذا لم نستطع التواصل مع بعضنا البعض، سنتواصل مع أيّ شيء نجده، سواء كان طنين عجلة الروليت أو وخزة الحقنة والمخدرات، فمدمن الهيروين قد عقد رابطة مع الهيروين لأنه لم يستطع الارتباط بصورة كاملة بأيّ شيء آخر، ومن هنا فمقابل الإدمان ليس الاعتدال، وإنما التواصل البشري والصحة الاجتماعية.

كما أشارت دراسة أميركية إلى أن الرجل الذي لا يحظى بعلاقات وثيقة مع أصدقائه وأفراد أسرته يكون أكثر عرضة لأمراض القلب، وأوضحت أن الرجل الانعزالي لديه مؤشرات في الدم على وجود التهابات تشير إلى ارتفاع معدل 4 مواد؛ منها مادة “إنترلوكين 6”.

وأكدت أنه لا يوجد خلاف بين المرأة التي تعاني العزلة وتلك التي لها أنشطة اجتماعية من حيث انعكاس ذلك على قلبها.

وأشارت الدراسة إلى بعض الوصايا لتخطي هذه المشكلة كأن يكون الإنسان اجتماعيا، فذلك هو الأفضل للقلب، والأفضل للصحة العامة أن تكون للإنسان علاقة وثيقة بأسرته وعائلته، وأن تكون له صلات بهيئات اجتماعية ودينية، وأن يكون له شريك في الحياة.

ومن جهتها أظهرت دراسة حديثة أجرتها جامعة لوند السويدية وجامعة سَري البريطانية أن كثيري السفر والترحال فريسة سهلة للتوتر العصبي بسبب تحضيرات السفر والرحلة ذاتها، وغالبا ما يشعرون بالوحدة والعزلة، فضلا عن صعوبة تكوين دائرة أصدقاء كبيرة وصعوبة التواصل الجيد مع شريك الحياة والأبناء.

السبب في الوحدة قد يكون مرتبطا بالتربية أو بحادثة أو بموقف اجتماعي خلق عند الفرد حالة من الرفض المجتمعي

وعرّفت الدراسة، التي تناولت الجوانب الجسمانية والنفسية والاجتماعية، كثيري السفر والترحال بالأشخاص الذين يسافرون بالطائرة مرة واحد على الأقل شهريا.

وقال الباحث المشارك في الدراسة تيموثي سميث، وهو أستاذ في قسم علم النفس في جامعة بريجهام يونغ في بروفو بولاية يوتا الأميركية، إن الأمراض مثل ارتفاع ضغط الدم والكولسترول لا تؤدي إلى الموت المبكر بالقدر الذي تفعله العزلة الاجتماعية، التي هي في الواقع أكثر خطورة.

وركز البحث الجديد على 70 دراسة أنجزت بين عامي 1980 و2014، والتي أظهرت كيف أن الشعور بالوحدة والعزلة الاجتماعية يؤثر على طول العمر، وقد بلغ متوسط عمر المشاركين في الدراسة 66 عاما، ونحو الثلث كافحوا مع المرض المزمن.

ويشير الدكتور محمود غلاب، أستاذ علم النفس بجامعة القاهرة إلى أن الوحدة قد تكون سببا أو عرضا للأمراض النفسية، ففي مرحلة الطفولة تعتبر تربية الطفل بمعزل عن المجتمع سببا في نشأة شخصية انطوائية غير قادرة على التعامل مع المجتمع. أما في حالة إصابة الشخص بأحد الأمراض النفسية كالاكتئاب، فهنا تصبح الوحدة عرضا ناتجا عن هذا المراض، ورفض الشخص للاختلاط بالمجتمع سواء بأصدقائه أو بأقاربه، موضحا أن السبب في الوحدة قد يكون مرتبطا بالتربية أو بحادثة أو بموقف اجتماعي خلق عند الفرد حالة من الرفض المجتمعي، لافتا إلى أن معالجة الوحدة هي الحل لإطلاق العنان للصحة العقلية والنفسية، والوقاية من الاضطرابات والحصول على شخصية سوية.

ويضيف الدكتور غلاب قائلا: إن التعرّف على مشكلة خاصة بالصحة العقلية والنفسية وتشخيصها ليس عملية سهلة أبدا، حيث لا تكون معظم الصراعات الخاصة بالصحة العقلية منعزلة، ويعاني الكثير من أفكار أو ميول مزاجية سلبية لا تُعدّ اضطرابات رغم أنها تشكّل تحديا.

21