الشعيبية طلال خادمة في البيوت نهارا ورسامة في ليل المغرب

السبت 2015/05/23
الشعيبية طلال صنعت أسطورتها بالكدح اليومي

نهارا كانت تعمل خادمة في البيوت أما في الليل فإنها كانت تتفرغ بمنزلها الصغير لعمل مبهم كانت قد شغفت به هو الرسم. الرسامة التي عُرضت أعمالها في كبرى القاعات والمتاحف الفنية في العالم وتحولت إلى رمز وطني في المغرب، لم تتعلم كيف تكتب اسمها ولم تتعرف مطلقا على المدارس والأساليب الفنية.

الفقيرة التي أغنت الخيال

بالنسبة إليها بدأ كل شيء من حلم رأته في المنام. رأت أشرعة تدور تحت سماء زرقاء وغرباء يقتربون منها ويقدمون لها ورقا وأقلاما. في اليوم التالي ذهبت إلى السوق واشترت دهانا أزرق يستعمل في دهن حواشي الأبواب وبدأت مغامرتها في الرسم الذي سبقها إليه ابنها الوحيد الحسين طلال الذي أصبح فنانا مشهورا في ما بعد.

لم تكن الشابة المغربية، الفقيرة والجميلة تدرك أن تلك الخطوة ستلحقها بنوع نادر من البشر، تذهب بهم الصدفة إلى اكتشاف مواهب خارقة تكمن في أعماقهم، ما كان من الممكن أن تُكتشف بالطرق التقليدية.

غير أن العزيمة والإرادة القوية اللتين أظهرتهما تلك المرأة قد جعلا من تلك الصدفة ميدانا رحبا لصنع حياة غير متوقعة، كانت مزيجا من الإبداع غير المسبوق والرضا عن النفس والشهرة التي كانت تسبق صاحبتها.

لقد اخترقت الشعيبية طلال وهي الفنانة الفطرية عالم الفن من غير أن تخطط لذلك، فلم يكن بذهنها أن تكون مختلفة حين استطاعت أن تنجز فنا لم يكن من قبل قيد التداول ولم تكن السوق الفنية قد تعرفت عليه.

القدر يضحك لها أخيرا

لم يكن الفصل العملي الأول من سيرتها الأولى ينبئ بما صارت عليه في ما بعد. فالفتاة التي ولدت عام 1929 في قرية اشتوكة القريبة من مدينة أزمور، كانت قد غادرت بيتها العائلي في سن السابعة من عمرها لتعيش في بيت عمها بالدار البيضاء ومن ثمة تتزوج في سن الثالثة عشرة من رجل طاعن في السن أنجبت منه ابنها الوحيد ليموت ويتركها هي الأخرى وحيدة، لا تجد مَن يعيلها ويعيل ولدها. وهو ما كان يمهد لحياة شقيّة ستعيشها، لكن بكرامة مَن تعمل. غير أن القدر الذي فجعها وهي لا تزال صغيرة كان قد خبّأ لها مفاجأة لإنصافها.

ذات يوم حضر ناقد فرنسي هو بير كودير رفقة أحمد الشرقاوي إلى منزلها لرؤية رسوم ابنها طلال، فأخبرتهما بأنها هي الأخرى ترسم منذ سنوات. وما إن فرشت رسومها أمامهما حتى شعرا بأنهما يقفان أمام معجزة فنية، تذكّر بما حققه الفرنسي هنري روسو من مكانة فذة.

الناقد الفرنسي بير كودير يزور الشعيبية في منزلها رفقة أحمد الشرقاوي لرؤية رسوم ابنها طلال، لتخبره بأنها هي الأخرى ترسم منذ سنوات. وما إن تفرش رسومها أمامهما حتى يشعرا بأنهما يقفان أمام معجزة فنية، تذكر بما حققه الفرنسي هنري روسو من مكانة فذة

يومها بدأ نجم سعدها بالسطوع فأقامت معرضها الشخصي الأول عام 1966 بالدار البيضاء. ومن يومها بدأت المرأة البدينة الضاحكة كما يمكن أن تُسمى في نسج أسطورتها الفنية، حيث اعتبرت واحدة من أهم صانعات الثقافة المغربية المعاصرة.

رسامة الطبيعة

بعد ثلاث سنوات من معرضها الأول انفتحت أمامها أبواب العالمية، حيث عرضت في البدء في كوبنهاغن وفرانكفورت ثم تتالت عروضها في مختلف أنحاء العالم وهو ما دفع المتاحف العالمية للتهافت على اقتناء أعمالها، فكانت أعمال المرأة التي يعرف الباعة في سوق الخضار أن يدها مبسوطة هي الأكثر رواجا مقارنة بأعمال سواها من الفنانين المغاربة.

وطوال أربعين سنة قضتها وهي ترسم لم يخفت الاهتمام العالمي بفنها. غير أن الشعيبية وهي التي اجتهدت في التماهي مع موهبتها الفنية الكبيرة، كانت تضحك من أعماق لبها حين يشبهها البعض ببيكاسو الذي لم تر لوحاته إلا في وقت متأخر. كانت تلقائيتها في الرسم تسمح لها بالكثير من الحرية في ابتكار الأشكال غير المتوقعة. ولكن

ما الذي فعلته الشعيبية لتنال كل هذه الشهرة والمجد؟ إنه الفن الفطري الذي تندرج أعمال الشعيبية ضمنه، وهو نوع معروف ومشاع من الممارسة الفنية الشعبية في بلد يُعرف بغزارة وتنوع نتاجه الشعبي على صعيد الفن التقليدي مثل المغرب.

وقد كان هناك من سبق الشعيبية في هذا المجال ومن عاصرها مثل محمد بن علال ومولاي أحمد الإدريسي، اللذين يصنف فنهما إلى جانب فن الشعيبية في إطار”الواقعية الساذجة” وهي من وجهة نظري تسمية تخطئ هدفها، من جهة كونها تغفل الأبعاد غير الواقعية في تلك الأعمال التي هي عفوية وليست ساذجة.

منذ البدء كانت الشعيبية قد اعتبرت الممارسة الفنية نوعا من محاولة التذكر، فكانت تلجأ إلى ذاكرتها البصرية من خلال الرسم. وهو ما أعادها إلى سنوات طفولتها السبع التي قضتها في البادية، فكانت ترسم الأزهار والطيور والديكة وسط بيئة تتميز بتفجّرها اللوني.

كانت المرئيات المتذكرة تمتزج في مخيلتها بما تركته في نفسها من إيقاعات، وهو ما يجعل النظر الواقعي المباشر أمرا مستبعَدا، ذلك لأن الشعيبية على سبيل المثال، لم تكن وهي ترسم كل تلك الأشياء التي تنتمي إلى الطبيعة، رسامة صور طبيعية. كانت رسومها تقف بين ما كانت قد رأته، وقد صار جزءا من ذاكرتها، وبين أثر تلك المرئيات النفسي وهو ما كان يجعلها قريبة أحيانا من الأسلوب التجريدي الزخرفي الذي استلهمته من الحرف اليدوية الشائعة في بلادها.

وكما أرى فإن الاكتفاء بتصنيفها فنانة فطرية يخون حقيقة ما قدمته للفن الغربي. ذلك لأنها، بالرغم من عصاميتها في تعلم الرسم، كانت أكثر دراية بعوالمه الخيالية من الكثير من دارسيه وحملة الشهادات العليا فيه. وهو ما كان محط اهتمام المختصين الغربيين بالفن، الذين لولاهم لما كسب المغرب فنانة بحجم الشعيبية.

المرئيات المتذكرة تمتزج في مخيلة الشعيبية بما تركته في نفسها من إيقاعات، وهو ما يجعل النظر الواقعي المباشر أمرا مستبعدا، ذلك لأن الشعيبية لم تكن وهي ترسم كل تلك الأشياء التي تنتمي إلى الطبيعة، رسامة صور طبيعية

الشعيبية تعرف ماذا تفعل

“أنا أكرر. ولكن هذا مهم” كانت تقول وهي تدرك أهمية ما كانت تفعله، من غير أن تلبس هذياناتها البصرية طابعا لغويا متحذلقا “ألواني ترمز للحياة والطبيعة فأنا أرسم مشاهد من الحياة العادية وكذلك مواقف غريبة”، وهنا تعترف بأنها تنسحب من الحياة العادية ذاهبة إلى المعنى المبهم الذي تعبر عنه المواقف الغربية، وهي المواقف التي تجعل من الرسم بديلا محتملا لتلك الحياة الواقعية التي فارقتها من أجل أن تكون موجودة كما لم تكن من قبل.

لقد هنّأت الشعيبية بشهرتها وهي تعترف بأن الرسوم وهبتها أشياء ما كانت تتوقعها. تقول “رسوماتي تجعلني سعيدة. أنا جد سعيدة بالرسم”، جملة صافية ومقتضبة غير أنها تعبّر عن قدر عظيم من الامتنان إلى الجمال الذي ارتقى بتلك المرأة الكادحة لتكون فاتحة عوالم ومكتشفة أبجديات بصرية جديدة.

كانت الشعيبية بالرغم من زهدها في الانتماء إلى عالم المثقفين تعرف ماذا تفعل في مجالها الحيوي. وهي تدرك أن قوة الرسام تكمن في تقنيات خياله لا في مهارته الشكلية المدرسية. صفاؤها الداخلي وشغفها الروحي بالرسم وهباها القدرة على التقاط الجميل الذي يبقى. لذلك يمكنني القول إن هذه الرسامة خُلقت لتكون ظاهرة استثنائية في الفن كما في الحياة.

لقد نجت الشعيبية بسبب تبنيها من قبل نقاد فن غربيين من قدرها باعتبارها فنانة فلكلورية، فكسبنا ما كنا سنخسره لو أن الأمور تُركت لنا. فهذه الفنانة هي أشبه بضربة حظ بالنسبة إلى الفن المغربي المعاصر.

معها ومن خلال رسومها صار الحديث عن مكانة الفن التشكيلي المغربي في العالم ممكنا. أليست معجزة، أن تكون خادمة البيوت سيدة لواحد من أرقى ما ينتجه المجتمع من فنون؟ الشعيبية هي بطلة زماننا.

15