الشغف بالشعر يوحّد الفن والفكر والتاريخ

الخميس 2014/07/24
مسميات شتى لكينونة كتابية جديدة

الشعر عمل أدبي فني يجعل من ذات الشاعر نافذة، يمكن أن يطل منها على عالمه الخارجي، ومنها أيضا يمكن الولوج إلى أعماقه وكوامنه، هكذا إذن تحقق هذه الذات المبدعة تلك المعادلة بالضرورة، بين الذات والآخر، بين عالم باطني ذاتي وعالم موضوعي. وبما أن لكل عمل فني بناءه والشكل الذي ينتهجه تحقيقا لنجاعته أو تكامله، يبقى سؤال الشكل والبناء محوريا ومحط نظر دائم، ونحن عند الحديث عن الشعر.

تلاطمت الآراء حول أشكال الكتابة الشعرية، فالشعر العربي يتعرض إلى تحولات جذرية، تخالف القالب العمودي الموزون، المتعارف عليه لدى عرب امرئ القيس والمهلهل. ذلك القالب بسماته التجسيدية التي بات رنينها صدئا لدى جمهور النقاد بصفة خاصة، وإن كان جمهور المتلقين ما زالوا يستسيغون تلك القصائد المقفاة الموزونة. فالقصيدة الحديثة لا تجد لها صدى إلا لدى ذائقة من تأصلت فيهم نكهة الدهشة من شعراء ونقاد ودارسين، أما عامة الناس فقد أصبح الشعر لديهم رجسا من عمل الخبل، الذي يضني ولا يغني.


الشعر والجمهور


قصيدة النثر، القصيدة الومضة، القصيدة ما بعد الحداثية، مسميات شتى لكينونة كتابية جديدة، جادة في المخالفة، هدامة للأنظمة السائدة، مصفقة للفوضى الجمالية، التي تخلق في نهاية المطاف كائنا بجماليات تشع اختلافا ومواربة. هذا الكائن الذي تعلو ملامحه أنماط الغربة والاغتراب، حتى وهو بين يدي مؤلفه الأول، الذي يموت كليا ما إن يدس قلمه في جيبه معلنا نهاية القصيدة. فلماذا نترك الشعر يهوي وإن علا، ويغترب وإن استقرّ، ويضعف وإن اشتدّ؟

لماذا تعدّ الكتابة الجمالية الحديثة هدرا للوقت لدى شاب لا ينزع عن أذنيه سماعات جهازه الذكي، منغرسا بكل حواسه في صخب “الراي” و”الروك” و”الهيب هوب” ولست أدري ماذا غير ذلك؟

هل هي أزمة الكتابة، أم أزمة فهم روح العصر التي وفرتها الموسيقى الصاخبة، وعجزت دونها “الكلمات الشعرية الحالمة”؟ أم تراها فوق هذا وذاك أزمة تواصل بحتة، خلقت الفجوة، وجلست فوقها تشاهد وتصف ولا تحرك ساكنا.

إحياء نسق كتابي جديد ومشروع ثقافي كبير، لحضارة تصنع الاختلاف البناء لا الخلاف الهدام

في إحدى حوارات أدونيس السابقة، أكد أن القصيدة النثرية لا يمكن بأيّة حال من الأحوال أن تحل محل القصيدة الشعرية الموزونة، وإن كتب هو نفسه فيها، وإن استساغ الكثير مما جادت به من فتوحات جمالية وشكلية كبرى. أدونيس هنا يحمل لواء امرئ القيس، لواء التراثيات التي لا يجب أن تتنازل عن الريادة، ولو كلف الأمر بعض الأكسسوارات التجميلية حتى تغدو منساقة في تيارات الحداثة والمعاصرة.

لعل ما جرف القصيدة العربية إلى متاهات بعيدة عن تذوق العامة، هو إيغالها في التكثيف والرمزية، اللذين لا مبرر لهما أحيانا سوى أن يكون هذا الشاعر أشعر من غيره، لأن مستوى شاعريته صعب المراس عصيّ عن أيّ كان. لكن ما الشعر إن لم يكن له تأثيره الجميل، أو ما يسمى نقديا بالوقع الجمالي؟


التواصل الجمالي


لعله من المهم ليتحقق ذلك المرجوّ أن نعيد النظر في منظومتنا الكتابية الشعرية الحديثة. أن نغمس أصابع القصيدة في شباك التواصل الجمالي، بين أجيال السياقات الكتابية المختلفة، فنحصل على عشق آخر ينفخ روح الشغف لدى العامة، فيصبح الشعر فنا جماهيريا كما هو منوط به، وليس مقتصرا على القاعات والمهرجانات والدراسات.

عندما تعشق الكتابة تتحقق نبوءات الوقع الجمالي

عندما تعشق الكتابة تتحقق نبوءات الوقع الجمالي، وتعود للشعر إشراقاته الأولى التي جعلت منه ديوانا عقليا وروحيا، إذن فالدعوة إلى ثورة على الثورة ضرورية، ثورة على الكتابات الجديدة، تيار يجرف الماضي بالحاضر فينتج نسقا كتابيا رحبا، إن صح القول، يسع كل الأذواق فيجد جمهور العامة بعضا من الأحلام ومن التصورات الجمالية والروحية في القصيدة الحداثية. بات من الضروري أن تتخذ الكتابات الشعرية الحديثة منهجا آخر، أن تدمج النسق (الريتم) بدل الوزن حتى يساهم في تحقيق الوقع الجمالي لدى العامة، أن تقول الشعر أكثر مما تقول السرد، أن تتخلى قليلا عن ذلك التكثيف الرمزي،لقد سمحت النظريات الحديثة بتطرف خطير في الكتابة الشعرية، سبّب قطيعة مع الذوق العام العربي الذي له خصوصية تختلف عمّا في الغرب من حيث وردت الحداثة.

وهذا الشرخ الذي حدث، مكن من أفول شمس الشعر لدى جمهور المتلقين، وحدثت فجوة تواصل بين الشعر وباقي الفنون، علما أن الشعر كان في كل الحضارات سيّد الفنون ومبلغ الرسالات الحضارية وموثق التاريخ، وهو في هذا الزمن الصعب يكتب الوجع الثقافي والإنساني، فيحمل في جوفه نار الفكر وتصدّعات العاطفة معا، إنه في منعطف التغييرات الكبرى، ومن يقول إن الشـعر في نهاية مطــافه فهو مخطئ بالتأكيد.

إن الكتابة الشعرية بحاجة إلى بعض المراهم التي تزيل عنه تجاعيد الصخب الفكري والطفيليات الفنية، ورغم أن الكتابات الشعرية النثرية الحديثة تفيض روعة، فإنه لم يسبق في تاريخ الشعر العربي أن شهد مثل تنويعاتها الفنية المميزة، إلا أنّها تبقى تئنّ تحت وطأة التجاهل الجماهيري لها، إذن دعونا نحيي الشغف بالكتابة الشعرية لتتدفق هذه الفنيات على نطاق رحب يؤسّس لنسق كتابي جديد ومشروع ثقافي كبير، لحضارة تصنع الاختلاف البناء لا الخلاف الهدام، لحضارة توحّد الفن والفكر والتاريخ في بوتقة جماهيرية عريضة.


إقرأ أيضا:


* طرد الشعراء من المدينة الفاضلة أدى إلى فنائها قبل أن توجد

15