الشغف هو روح الصنعة

الرسام المحترف يستطيع أن يخدع الكثير من الناظرين بأنه مبدع، لكنه لا يستطيع أن يخدع المتابع الشغوف.
الأربعاء 2019/09/04
احتراف أم صنعة

الاحتراف المهني صفة جميلة. يستطيع الإنسان أن يتعلم صنعة ويتقنها. ليس مهما كيف تعلم الصنعة. هذا الأمر قد يمر بطرق مختلفة. حتى عقود مضت كانت الصنعة تتوارث. الفلاح ابن فلاح. النجار كذلك. التاجر يتباهى بأنه ولد تاجرا مثلما كان أبوه. حتى الجندية كانت مهنة تتوارث. السياسة ظلت صنوا للتوارث العائلي، وصولا إلى يومنا هذا.

التعليم فتح الباب لآفاق أكبر. كسر احتكار المهنة عائليا وارتقى بها. أوصلنا إلى مستويات جديدة من الاحتراف لم تكن مسبوقة. تقف أمام الطبيب المحترف فتذهل من قدرته على التشخيص أو العلاج. تقني الكمبيوتر يعيد الحياة لدوائر إلكترونية معقدة بعد عطلها. المهندسون يقومون بأعمال تشبه أفعال السحر. تقنيات العمل الإعلامي تطورت إلى درجة مذهلة فصار خريج كلية الإعلام كاتبا ومخرجا ومصورا ومقدم برامج في نفس الوقت.

التقنيات الحديثة ساعدت في تطور الاحتراف. عامل البناء الذي كان يستخدم الخيط لتضبيط المستويات، صار يعمل باستخدام تقنيات الليزر. الميكانيكي يربط جهاز كمبيوتر لمحرك السيارة فيعرف أين الخلل. لا نعرف وجها للأعمال اليوم لا يستخدم تقنيات تسهل العمل وتبسطه وتجعله أكثر إتقانا واحترافا.

العالم أصبح أكثر دقة ويوما بعد آخر تستقر الصناعات والخدمات وتأخذ شكلا قياسيا.

لكن ثمة شيئا يجعلنا نفكر أكثر في ما نفعل. إنه الشغف. هل أنت شغوف بما تفعل، أم تنغمس بما تقوم به لأنك تتقنه؟ الرسام المحترف يستطيع أن يخدع الكثير من الناظرين بأنه مبدع، لكنه لا يستطيع أن يخدع المتابع الشغوف. يستطيع هذا الشغوف أن يلتقط الفرق بين الحرفة والفنان الشغوف بفنه مثلا. تستطيع وأنت تشاهد مسرحية أو برنامجا تلفزيونيا أن تميز بين ممثل شغوف بمهنته وآخر “يمثل”. نعم التمثيل حرفة. نظريا ينبغي أن لا تميز بين ممثل محترف وآخر شغوف بمهنته. لكن كلنا نعرف الفرق. نحسه فورا.

في مهن كثيرة يتقدم الاحتراف إلى مستويات رفيعة فيكاد يضيع الفرق. لكن الذائقة الإنسانية تبقى قادرة على التقاط هذه التمايزات البسيطة التي تصنع الفرق بين صورة وصورة، ومقالة ومقالة، ولوحة ولوحة. أكاد أميز بين محرر وآخر في هذه الصحيفة بشغفهما بموضوعاتهما. بعضهم متفان ومخلص فيبدع باحتراف. لكن بحكم الخبرة والاهتمام، صار بوسعي مثلما هو بوسع غيري أن يلتقط الفرق. لعل هذا ما يجعل واحدا هنا أكثر تميزا من الآخر. لعل هذا ما يميز صحيفة عن أخرى.

في العمل الصحافي تحتاج كثيرا إلى تلك النزعة القياسية التي تجعل الأشياء منضبطة وبشكل يوحدها ويجعلها مقبولة. لكن الشغف بالمهنة هو ما يمدها بالروح. الشغف هو روح الصنعة.

24