الشغف وسيلة لتسميم الحياة

الاثنين 2017/01/30

هل يتسبّب تعلّق المرء بأمر أو شخص في إفساد حياته وتسميم واقعه وتدمير كينونته الاجتماعيّة؟ أيّ حبّ هو ذاك الذي قد يدفع بالمحبّ إلى حافّة الهاوية أو يغرقه في سجن لا فكاك منه؟ هل الجنون هو ما يمكن توصيفه بالنهاية التراجيدية لعاشق أضناه السعي لتحقيق مراده أم هو ما يمكن الاصطلاح عليه بأنّه خاتمة أحزانه وبداية الانفراج واجتياز عتبة الحسابات المقيّدة لحرّيته؟

لعلّ من الغرابة بمكان أن يتحوّل الشغف إلى وسيلة تدمير، ويكون ذلك في حال تجاوز مستويات من التعلّق تصل إلى التولّه وفقدان القدرة على الاستمرار من دون وجود مصدر الشغف ذاته، ويكون الأسر بداية نحو درب مأساويّ يفقد فيه صاحبه المنطق والتعقّل، يخلق منطقه الخاصّ به ذاك الذي يفرضه عليه ميدان عشقه الذي يضفي عليه قداسة مفترضة.

لا يكون التعلّق بالآخر فقط موضوع شغف وسبيلاً إلى الجنون، ولا يكون تسمّم حياة عاشق ما مرهوناً ببعده عن محبوبه، بل قد يتجاوز مرحلة الشغف بالآخر، سواء كان ذكراً أو أنثى، إلى الشغف بأمر ما، بلعبة أو وسيلة تتلبّس صاحبها وتلهيه عن ذاته ومحيطه وواقعه.

من مواضيع الشغف الغريبة ما تناوله الروائي النمساوي ستيفان زفايغ (1881 ـ 1942) في روايته “لاعب الشطرنج” التي استعاد فيها أجواء الحرب العالمية الثانية واجتياح هتلر للنمسا وتوسعه في أوروبا الشرقية، وممارسات النازيين العنصرية وتنكيلهم بمخالفيهم. كتب عن الهوس الذي يستبد بالمرء جراء عشقه وشغفه بلعبة الشطرنج، وكيف أن الأمر يتحوّل إلى تسمم غير قابل للشفاء.

سرد زفايغ حكاية شخص اعتقلته القوات النازية أثناء اجتياحها النمسا 1938. لفقت له عدة تهم، وضع في غرفة معزولة عن العالم، وجد نفسه برفقة كتاب شطرنج ألقي إليه، وما لبث أن تمثل اللعبة وتفاصيلها ومبارياتها في ذهنه، يخوض مباريات ضارية مع نفسه، وبما أنه لم يكن يجد أمامه إلا لعبة الشطرنج فقد صب فيها كل ما يعتمل في صدره من غيظ ورغبة في الانتقام، غرق في حماس أشبه بالهوس، وصل إلى درجة من الازدواجية والتناقض، تسمّم بلعبة الشطرنج التي بدأ يهجس بأسماء أحجارها وتفاصيلها.

وربّما بالنظر إلى راهننا يمكن التوقّف عند حالات متباينة من الشغف التي تكون في سبيلها إلى تقييد حرّيّة المرء وأسره في زنزانة افتراضيّة، وعزله عن محيطه الاجتماعيّ عبر إيهامه بأنّه متواصل بشكل افتراضيّ، وقد يكون التعلّق بوسائل التواصل الاجتماعيّة إشارة خطيرة للإنسان المعاصر على سيره نحو تسميمه حياته بتعلّقه بالعالم الافتراضيّ وتحوّل وسائل التواصل الاجتماعيّة إلى وسائل قطيعة اجتماعية في واقع الأمر. وقد يكون هذا نوعاً جديداً من تسميم الواقع والحياة عبر شغف خطير مدمّر.

كاتب من سوريا

15