الشفافية والهدوء ميزا الانتخابات المحددة لملامح المشهد السياسي المقبل في تونس

الاثنين 2014/11/24
التونسيون مصممون على إنجاح الاستحقاق الانتخابي والعبور بالبلاد إلى بر الأمان

تونس - توّجت تونس، أمس الأحد، مسارها الديمقراطي، بوضع آخر الأساسات لـ”جمهوريتها الثانية”، بإجرائها انتخابات رئاسية تعدّ المرحلة الأخيرة من “الفترة الانتقالية”، التي تلت انتفاضة يناير 2011، التي أطاحت بنظام الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي. وقد شهدت تلك الفترة الانتقالية انتخابات مجلس تأسيسي في 2011، قام بوضع دستور جديد للبلاد مطلع العام الجاري، ثم انتخابات تشريعية أُجريت، الشهر الماضي، ينتظر أن تنبثق عنها مطلع العام المقبل حكومة سيقوم بتشكيلها حزب نداء تونس الفائز بالأغلبية البرلمانية.

تعدّ الانتخابات الرئاسية التي أجريت أمس الأحد في تونس، آخر خطوة في مسيرة الانتقال الديمقراطي التي سارت على أساسها البلاد على مدى السنوات الأربع الأخيرة. خطوة تضع تونس على أعتاب ما يمكن تسميته بـ”الجمهورية الثانية” بالنظر إلى أنّ نظام الحكم "أحادي الطابع" الّذي ساد فترة “الجمهورية الأولى” في عهدي الرئيسين الأسبقين الحبيب بوروقيبة وزين العابدين بن علي، خلافا للتعددية السياسية التي تمّ إقرارها بعد انتفاضة 2011.


ما هي صلاحيات الرئيس القادم؟


شهدت أوّل انتخابات رئاسية ديمقراطية بالاقتراع المباشر في تونس، ترشّح 27 مترشحا، انسحب 5 منهم لدواع وصفوها بـ”الاستقطاب الثنائي بين كلّ من الرئيس المنتهية ولايته المنصف المرزوقي ورئيس حزب نداء تونس الباجي قائد السبسي”، وإن كان ليس لانسحابهم صفة قانونية. وقد دعي، أمس الأحد، قرابة 5.2 مليون ناخب تونسي للإدلاء بأصواتهم لأوّل انتخابات رئاسية “ديمقراطية” من نوعها في تاريخ تونس الحديث، كما يجمع العديد من المراقبين، حيث ترى العديد من المنظمات الحقوقية الداخلية والخارجية أنّ الانتخابات التي جرت بالأخص في زمن الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي لم تكن نزيهة.

27 ألف مراقب وملاحظ شاركوا في رصد عملية الاقتراع في تونس وفي الخارج

في هذا السياق، حظي الباجي قائد السبسي، الذي يعدّ صاحب الحظوظ الأوفر للفوز بالرئاسية، وفق مراقبين، بحافز معنوي بعد فوز حزبه بأكبر عدد من المقاعد (86 مقعدا) في مجلس نواب الشعب، كما اعتبر المرزوقي مترشحا بارزا خاصّة في صورة ما ثبتت توقّعات بعض التقارير التي أفادت بأنّ القواعد الانتخابية لحركة النهضة الإسلامية (أعلنت أنها لم ترشّح أيّة شخصية ولم تدعم رسميا أيّا من المرشحين) صوّتت له.

ستكون لرئيس تونس المقبل الصلاحيات التالية التي نصت عليها المادتان 72 و77 من الدستور التونسي الجديد: “يمثٌل رمز وحدة الدولة ويضمن استقلالها واستمراريتها ويسهر على احترام الدستور، ويمثل الدولة ويختص بضبط السياسات العامة في مجالات الدفاع والعلاقات الخارجية والأمن القومي المتعلق بحماية الدولة والتراب الوطني من التهديدات الداخلية والخارجية وذلك بعد استشارة رئيس الحكومة”.

كما منح الدستور لرئيس الدولة صلاحيات؛ حل مجلس نواب الشعب والدعوة إلى انتخابات تشريعية جديدة، وترؤس مجلس الأمن القومي والقيادة العليا للقوات المسلحة، وإعلان الحرب وإبرام السلم بعد موافقة مجلس نواب الشعب.

من جهتهم يرى مراقبون، أنّ الملف الاقتصادي يعدّ التّحدي الأكبر الذي سيواجهه الرئيس المقبل الذي سينطلق في مهام منصبه منذ الإعلان عن النتائج النهائية للانتخابات، مطلع العام المقبل، رفقة الحكومة التي ينتظر أن يشكلها حزب نداء تونس المتحصل على أكبر عدد من مقاعد مجلس نواب الشعب (86 مقعدا من إجمالي 217).

«حمة» و«راضية».. الحب في زمن الانتخابات التونسية


كيف سارت العملية الانتخابية؟


انطلقت الحملة الانتخابية للرئاسيات منذ 1 نوفمبر الجاري وتوقفت أوّل أمس السبت مع بداية فترة الصمت الانتخابي، وإلى حدود تلك الفترة، أحالت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات على النيابة العمومية 12 مخالفة لبعض المترشحين للانتخابات الرئاسية تتعلق بـ”عدم احترام القواعد في ما يتصل بتعليق صور وبيانات المترشحين” و”عدم الإعلام بشكل مسبق عن الاجتماعات”، إلى جانب مخالفات تتعلق بتبني لهجة العنف في خطابات بعض المترشحين، وفقا لتصريحات إعلامية سابقة لرئيس الهيئة، شفيق صرصار.

في سياق متّصل بدأ الناخبون المقيمون بالخارج التصويت، الجمعة الماضي، قبل يومين من بداية التصويت في تونس، وقد ناهز عددهم الـ 380 ألفا في 45 دولة تمّ توزيعهم على 387 مكتب اقتراع، وتتصدر فرنسا الدول التي توجد فيها أكبر نسبة من الناخبين التونسيين ( 53 بالمئة) أي أكثر من النصف، شأن ما حصل في الانتخابات التشريعية الماضية.

ويذكر أنّ نسبة المشاركة الإجمالية في الانتخابات البرلمانية السابقة بلغت رسميا 69 بالمئة. وقد مثّلت فئة الشباب أكبر نسبة من المسجلين للانتخابات (حوالي 63 بالمئة) غير أنّ الانتخابات البرلمانية السابقة شهدت عزوفا من قبل هذه الفئة، علّله مراقبون بـ”عدم تحقيق أهداف الثورة، وأولها خلق مواطن شغل والتقليص من نسب البطالة”.

من جهة أخرى، شارك أكثر من 27 ألفا من بين مراقبين وملاحظين في رصد عملية الاقتراع في تونس والخارج، وفقا لما أفادت به عضو الهيئة العليا للانتخابات لمياء الزرقوني، منهم ملاحظون تابعون لمؤسسات دولية على غرار الاتحاد الأوروبي ومركز جيمي كارتر الأميركي والجامعة العربية، أفادوا في مجملهم بأنّ العملية صارت في كنف الشفافية وفي جو هادئ ومناخ انتخابي سليم رغم بعض التجاوزات الطفيفة التي لن تؤثر بأي شكل من الأشكال على النتائج.

كما جنّدت كلّ من وزارة الداخلية ووزارة الدفاع ما يناهز 100 ألف عنصر من قواتهما لتأمين سير الانتخابات الرئاسية، وكثفت من حملاتهما الأمنية في المناطق الغربية الحدودية مع الجزائر مثلما كان عليه الأمر في الانتخابات البرلمانية السابقة.

عدة مؤسسات دولية أفادت بأن الانتخابات تمت في كنف الشفافية وفــي جــو هادئ ومناخ انتخابي سليـم

ووفقا للقانون الانتخابي المعتمد في مايو 2014 من الجمعية التأسيسية، فإنّه وفي صورة لم يتحصل الفائز الأول على أغلبية الأصوات (50 زائد واحد) سيتم مباشرة المرور إلى دورة انتخابية رئاسية ثانية تقام قبيل نهاية شهر ديسمبر المقبل، ويحدّد موعدها بدقة عقب نتائج الدور الأول، وإذا ما تساوى المُترشحان في عدد الأصوات في الدورة الثانية فيُعلن عن فوز الأكبر سنا من بينهما.


أي تأثير للنتائج على المشهد المقبل؟


أقرّت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات سيناريوهين إثنين لمواعيد الانتخابات الرئاسية في دورتها الأولى والثانية وهو ما ينعكس تبعا على مصير تشكيل الأغلبية البرلمانية والحكومة القادمين، وإن كان من المؤكد في جميع الأحوال أن يبدأ العمل الفعلي للحكومة والرئيس المقبل مطلع العام المقبل 2015، في حين يبدأ عمل البرلمان المنتخب الشهر المقبل.

السنياريو الأوّل يتعلق فقط بالموعد الانتخابي الأول للرئاسية، أمس الأحد، وفي حال تمّ حسم النتيجة من الدور الأول، أي فوز أحد المترشحين بأغلبية الأصوات، يتمّ الإعلان عن النتائج الرسميّة نهائيا في 21 ديسمبر القادم، ويشرع بعدها مباشرة رئيس الجمهورية في مهامه، ومن المفترض تبعا لذلك أن تتشكل الحكومة مع نهاية شهر يناير المقبل.

وتُفصّل المادة 89 من الدستور المقرّر في يناير الماضي مراحل تشكيل الحكومة كالآتي: “في أجل أسبوع من الإعلان عن النتائج النهائية للانتخابات، يكلف رئيس الجمهورية (المنتخب)، مرشح الحزب أو الائتلاف الانتخابي المتحصل على أكبر عدد من المقاعد بمجلس نواب الشعب، بتكوين الحكومة خلال شهر يجدّد مرة واحدة. وفي صورة التساوي في عدد المقاعد يُعتمد للتكليف عدد الأصوات المتحصل عليها كل منهما. عند تجاوز الأجل المحدد دون تكوين الحكومة، أو في حالة عدم الحصول على ثقة مجلس نواب الشعب، يقوم رئيس الجمهورية في أجل عشرة أيام بإجراء مشاورات مع الأحزاب والائتلافات والكتل النيابية لتكليف الشخصية الأقدر من أجل تكوين حكومة في أجل أقصاه شهر”.

وإذا مرّت أربعة أشهر على التكليف الأول، ولم يمنح أعضاء مجلس نواب الشّعب الثقة للحكومة، لرئيس الجمهورية الحقّ في حل مجلس نواب الشعب والدعوة إلى انتخابات تشريعية جديدة في أجل أدناه خمسة وأربعون يوما وأقصاه تسعون يوما.

من ثمّة تعرض الحكومة موجز برنامج عملها على مجلس نواب الشعب لنيل ثقة المجلس بالأغلبية المطلقة لأعضائه، وعند نيلها لثقة المجلس يتولّى رئيس الجمهورية فورا تسمية رئيس الحكومة وأعضاءها.

من المؤكد أن يبدأ العمل الفعلي للحكومة والرئيس المقبل مطلع العام 2015، في حين يبدأ عمل البرلمان المنتخب الشهر المقبل

ويعقد مجلس نواب الشعب جلسته الأولى بعد أسبوعين من الإعلان النهائي عن نتائج الانتخابات البرلمانية من قبل الهيئة العليا المستقلة للانتخابات.

ومن المنتظر بالتالي أن تكون الجلسة الأولى لنواب برلمان الشعب يوم 9 ديسمبر (لأنّ آخر أجل للتصريح بالنتائج النهاية للانتخابات البرلمانية حدّد ليوم الـ 24 من نوفمبر).

وتفسر المادة 57 من باب السلطة التشريعية ضوابط انعقاد البرلمان بـ: “يعقد مجلس نواب الشعب دورة عادية تبتدئ خلال شهر أكتوبر من كل سنة وتنتهي خلال شهر يوليو، على أن تكون بداية الدورة الأولى من المدة النيابية لمجلس نواب الشعب في أجل أقصاه خمسة عشر يوما من الإعلان عن النتائج النهائية للانتخابات بدعوة من رئيس المجلس المتخلي”.

أمّا الفرضية الثانية فتتعلق بما إذا تم المرور إلى دورة انتخابية رئاسية ثانية، فإنّ هيئة الانتخابات حددت يوم 28 يناير 2015 كآخر أجل للتصريح بالنتائج النهائية وبذلك يكون هناك شهر إضافي ليتولى رئيس الجمهورية مهامه، ومن ثم تتوالى الخطوات سابقة الذكر.


اقرأ أيضا


اجتياز اختبار الديمقراطية يقطع الطريق أمام خطر الإرهاب

6