الشفاهي والسماعي

الجمعة 2014/12/05

توقفت عند المقالة المكتنزة التي نشرتها جريدة “العرب” الدولية يوم 30 /11 /2014، لشرف الدين مجدولين وعنوانها “شفاهة معاصرة: ثقافة اعتناق الكذب”، وبشكل خاص عند عبارته التالية: «قبل أسابيع قليلة تأملت منشورات مغربية عن “النقد الثقافي” و”دراسات ما بعد الاستعمار”، كل من ساهم فيها لا يعرف الأنكليزية، بل إنَ معرفة أغلبهم بالفرنسية متوسطة، وكان ثمة تسويغ لأسباب هذا الاختيار يندرج في سياق تبجيل تركة إدوارد سعيد، لكن ما غاب هو الإقرار بأن هذا النحو من التحليل كان مجرّد فكر شفاهي تتداوله الألسنة في حلقات الكذب الأكاديمي..».

أعتقد أن شرف الدين مجدولين محق في طرحه لهذه القضية المهمة جدا ذات الجوانب الكثيرة منها الجانب المعرفي والجانب الأخلاقي، وفي الواقع فإن أغلب النقد العربي الذي يكتب وينشر في هذه الأيام هو نقد القفز بالمظلات في مسعاه لاستيراد المفاهيم والمصطلحات وعناوين التيارات النقدية دون بذل الجهد لدراستها.

حسب تجربتي كطالب دراسات عليا في الدراسات الثقافية والدراسات الكولونيالية وما بعد الكولونيالية ببريطانيا فإنما يدعى “بالدراسات ما بعد الاستعمارية” هو تخصص مؤسس نظريا على أحدث نظريات الفلسفة الراديكالية والتحليل النفسي وعلم الاجتماع والأنتروبولوجيا.

تاريخيا فهو قد تأسس أكاديميا في بريطانيا ومن ثمَ انتقل إلى جامعات أخرى في أميركا وأستراليا وكندا وجنوب أفريقيا وإلى بعض دول أوروبا، باستثناء فرنسا التي ترفض إدراج الدراسات الكولونيالية وما بعد الكولونيالية في تعليمها العالي، لأنها لا تزال تصرّ على أن الذي قامت به ليس استعمارا وإنما هو رسالة حضارية. أما النقد الثقافي فهو تسمية أميركية قام بها الناقد الأدبي الأميركي فنسنت ليتش وأطلقها على تخصص الدراسات الثقافية التي تأسست أكاديميا بمركز الدراسات الثقافية التابع لجامعة برمنغهام ببريطانيا على أيدي كل من هوغارت وستيوارت هول.

كانت الغاية من هذا التخصص المؤسس أيضا على الأرضية النظرية التي تأسست عليها الدراسات الكولونيالية وما بعد الكولونيالية تتمثل في إعادة الاعتبار لفكر ولثقافات الهامش وتفكيك البنى الثقافية البرجوازية والرأسمالية في المجتمعات الغربية، وفي هذا السياق فإن المرء يستغرب أن تنشئ وزارة التعليم العالي الجزائرية تخصّص النقد الثقافي في عدد من الجامعات الجزائرية دون التكوين المسبق للإطارات المتخصصة في هذا الحقل المعرفي على أيدي الدارسين والنقاد المتخصصين في الجامعات، حيث ولد ونما فيها هذا التخصّص لكي تتأهل للقيام بالمهمة، بل إن الذي حصل ولا يزال يحصل هو الفوضى بعينيها وأذنيها.


كاتب من الجزائر

15