الشقق والشوارع المفخخة.. الملاذ الأخير للإرهابيين لمواجهة الأمن المصري

الجمعة 2016/02/05
المناطق العشوائية خطر على الأمن القومي

القاهرة - ضيّق نجاح قوات الأمن المصرية في توجيه ضربات متلاحقة للجماعات الإرهابية، سواء في سيناء التي ينشط فيها تنظيم ولاية سيناء التابع لداعش، أو في بقية المحافظات خاصة القاهرة، الخناق على التنظيمات المتشددة، وأفقدها الكثير من أوراق العنف التقليدية، بما تتضمنه من تكتيكات وأسلحة وخلافه. ولم يعد متبقيا أمامها (تقريبا) سوى الشقق المفخخة مثلما حدث مؤخرا في محافظتي القاهرة و الجيزة.

وأكّد المركز المصري لحقوق السكن أن مصر بها أكثر من 7 ملايين شقة مغلقة، فضلا عن ملايين الشقق المؤجرة دون إحصاء رسمي، خصوصا في المناطق الشعبية، ما يجعلها مشكلة حقيقية تهدد الأمن القومي. والخطر سببه أن هناك ملاكا يتساهلون في التدقيق لمن يقوم باستئجار شقة، طالما أنهم يلتزمون بدفع الإيجار المتفق عليه، دون اهتمام بما سيقوم به المستأجرون مثل إساءة استخدام الشقة في أعمال تتعارض مع نصوص القانون.

في 21 يناير الماضي قتل 7 من عناصر الأمن المصري وأصيب 15 آخرون خلال مداهمة شقة سكنية بمنطقة الهرم (جنوب الجيزة) عبارة عن مخزن للمتفجرات يقطنها إرهابيون، بعدما انفجرت بهم الشقة أثناء تعامل خبراء المفرقعات معها.

وبحسب بيان الداخلية المصرية في ذلك الوقت، فإن الشقة كانت تستخدم كمخزن لتصنيع المتفجرات والعبوات الناسفة. بعدها بأيام قام الأمن المصري بمداهمات للشقق المؤجرة في المناطق التي تتركز فيها المجموعات المسلحة وأحبط ثلاث عمليات في منطقتي كرداسة والسادس من أكتوبر بمحافظة الجيزة.

وقال اللواء رفعت عبدالحميد، الخبير الأمني، إن التضييق الأمني على العناصر الإرهابية في الشوارع والميادين الرئيسية والعامة تسبب في عدم وجود عمليات إرهابية كبيرة في الشوارع والطرقات العامة كما كان الحال عام 2014، وبعض الأحيان في النصف الأول من 2015.

وأضاف لـ”العرب”، أن المجموعات الإرهابية استغلت حالة الترهل التي تعاني منها الإدارة المحلية في مصر، خاصة في الفنادق الصغيرة والمناطق العشوائية ومعارض تأجير السيارات، وكلها تعتبر من الثغرات التي يسهل استغلالها.

الارتفاع المنتظم في أسعار المساكن، سواء للإيجار أو التمليك، والمصاعب التي يواجهها الملايين من محدودي الدخل لتدبير المبالغ اللازمة للحصول على سكن ملائم، وتراجع دور مؤسسات الدولة، عوامل أدت إلى ظهور نوعية من المناطق السكنية العشوائية وصل عددها إلى 1221 منطقة ويسكنها حوالي 16 مليون مواطن.

صبرة القاسمي: انجراف كوادر الإخوان نحو العنف المسلح يهدد باختراق تنظيم داعش للعمق المصري

وهذه الأماكن يتم فيها البناء دون تراخيص أو مراعاة للحد الأدنى من مواصفات السكن الآدمي، كما أنها تكون في مجملها خارج سيطرة الحكومة، ما جعلها في واقع الأمر أوكارا مثالية للإرهابيين، للاختباء أو تصنيع المتفجرات أو اتخاذها نقطة انطلاق لتنفيذ عملياتهم الإرهابية.

وقال صبرة القاسمي الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية لـ”العرب”، إن لجوء الجماعات المسلحة للبنايات والشقق ليس جديدا عليهم في مواجهتهم للأمن المصري، ففي الفترة بين عامي 1991 و1996 لجأوا لاستخدام تلك التكتيكات بسبب قوة الضربات الأمنية الموجهة إليهم، إلا أنه أشار إلى أن الجماعات الإرهابية أصبحت أشد ذكاء وأكثر تمويلا، وهو ما يرهق الأمن المصري.

وأضاف أن الخطر الأكبر على الأمن المصري ليس الشقق المفخخة مثل شقة الهرم، وإنما تنظيم “العقاب الثوري” المسلح التابع لجماعة الإخوان والمسؤول عن التفجير والذي بايع بعض أعضائه تنظيم داعش.

وهو ما يثير المخاوف من انجراف المزيد من كوادر الجماعة المحظورة في مصر نحو العمل الإرهابي والانخراط في صفوف التنظيمات المسلحة، في ضوء حالة الإحباط من فشلهم في إحداث أي تغيير منذ عزل الرئيس الإخواني محمد مرسي.

وطالب القاسمي الدولة المصرية باحتواء شباب الجماعة (غير المشارك في العنف) داخل المجتمع مرة أخرى، حتى لا يستيقظ الجميع على حقيقة مؤلمة بتغلغل داعش داخل العمق المصري.

ورفض اللواء جمال أبوذكري، الخبير في الشؤون الإستراتيجية، فكرة التصالح مع شباب الجماعة في الوقت الحالي، باعتبارها ليست الحل الأمثل حاليا، لأنها تعطي رسالة خاطئة بأن أجهزة الدولة تخشاهم.

وقال إن على قوات الأمن القيام بالمزيد من الإجراءات القانونية والأمنية للحد من انتشار الإرهاب، على رأسها حظر تأجير أي شقة قبل الحصول على موافقة أمنية، وتسجيل بيانات حراس العقارات لدى مديريات الأمن في المحافظات والتعامل معهم للتوصل إلى مرتكبي العمليات الإرهابية قبل تنفيذها.

يذكر أن أجهزة الأمن المصري تتعامل بشكل مباشر مع سماسرة الشقق لإمدادهم ببيانات بطاقات الرقم القومي للمستأجرين المحتملين للكشف على سجلاتهم الجنائية، ضمن خطة وزارة الداخلية لتنفيذ الضربات الاستباقية، علاوة على انتشار عناصر أمنية في المناطق التي توجد فيها الشقق المفروشة للقيام بالتحريات عن الأشخاص الغرباء عن أهالي تلك الأحياء. من القاهرة والجيزة إلى سيناء لا يختلف الحال كثيرا، فخلال النصف الثاني من عام 2015، وتحديدا بعد فشل داعش في إعلان سيطرته على أجزاء من مدينة العريش، قامت قوات الأمن والجيش المصريين بعمليات ناجحة.

لكن منذ مطلع العام الجديد انتهج عناصر تنظيم “ولاية سيناء” سياسة جديدة في حربه مع الجيش المصري عن طريق زرع المفخخات بالشوارع، تمهيدا لحرب قادمة شرسة، بغية السيطرة والتمكين لبسط النفوذ، والحكم على مساحة من الأرض، وهو ما جعل تخزين العبوات في أماكن سكنية مسألة حيوية.

أوضح صبرة القاسمي، أن ما يحدث في سيناء يؤكد وصول تلاميذ مدرسة صنع المتفجرات التي أسسها أبوحمزة المهاجر من العراق إلى مصر، بسبب التشابه الكبير بين ما يحدث حاليا في سيناء وما حدث من قبل في بعض أنحاء العراق.

وبحسب مصادر أمنية فإن العناصر الإرهابية تقوم بزراعة العبوات الناسفة بعدة طرق يطلق على إحداها اسم “السنارة”، وربط المفجر بسنارة بها خيط رفيع من طرف، والطرف الآخر بعمود في الناحية الأخرى، وبمجرد ارتطام المدرعة بالخيط الرفيع غير المرئي، تنفجر العبوة الناسفة.

أما الطريقة الأخرى فهي تفجير العبوة الناسفة بواسطة الهاتف المحمول، من خلال إلصاق الهاتف بالمفجر، وبمجرد الاتصال يتم التفجير.

وأضافت المصادر لـ”العرب” أن التنظيم الإرهابي يقوم بعمليات رصد لتحركات المركبات الأمنية، ويتم تجنيد مجموعات من الشباب صغير السن غير المعروف، بالإضافة إلى النساء المنتقبات واستخدامهن في رصد المركبات وزرع العبوات الناسفة وعمليات التفجير.

6