الشكل الهندسي يُراقص سيولة العالم

فنانون يخترقون محيط "الدائرة" في معرض تشكيلي بالقاهرة.
الاثنين 2020/10/05
خطوات بشرية تمشي على حافة التجريد (لوحة لإيمان عبدالرحمن حسين)

يقيم غاليري “أوبنتو” في العاصمة المصرية القاهرة معرضا جماعيا بعنوان “الدائرة” يتواصل حتى نهاية أكتوبر الجاري، ويضم أعمال فنانين مصريين من أجيال مختلفة تعبر لوحاتهم بشكل أساسي عن العزلة، حيث أن الأعمال أنجزت خلال فترة الحجر المنزلي في الأشهر الماضية.

القاهرة - لا ينصاع الفن الحديث للخطوط الجامدة والأشكال الهندسية الصارمة ومساحات الإدراك المحدّدة، في تعبيره المتدفّق عن حياة فائرة وعالم منصهر وإنسان مشتّت لا يستقر على حال.

من هذه الرؤية المتسعة التي تحتفي بالإذابة والتفاعلات المرنة، انطلق الفنانون المشاركون في معرض “الدائرة” الجماعي، المُقام حاليا في غاليري “أوبونتو” بالقاهرة، ويستمر حتى الرابع والعشرين من أكتوبر الجاري.

تحظى الدائرة بخصوصية بين أوعية الانتظام، فهي سرّ حركة الأرض والمفردات الكونية العملاقة وجسيمات الذرّة الصغرى وخلايا دماء الإنسان، وهي في أبسط صورها وتأويلاتها: الاحتضان والاحتواء والاستمرارية والديمومة والتجدّد، وهي الجوهر والقلب والبؤرة المشعّة ضوءا مكثفا، ومنصّة إطلاق الطاقة الحيوية المنفلتة، القادرة على النفاذ، والمستعصية على النفاد.

على هذه البقعة السحرية الناسفة للحدود، راهن فنّانو المعرض في اختراقهم للأمكنة المتجاورة والأزمنة المتعاقبة بتكوينات وألوان ارتجالية، ممتطين في لحظات تمرّدهم وجموحهم وتشوّشهم صهوة الحلم في الفضاء، وسابحين في طبقات اللاوعي العميقة صوب عفوية من نوع خاص، قد توصف فنيا بأنها مقصودة.

مشاعر مُتفجّرة

خطوط قليلة تختزل البشر في العالم المعاصر كما شكّلتها فرح الشافع
خطوط قليلة تختزل البشر في العالم المعاصر كما شكّلتها فرح الشافع

أفسح الفنانون المجال لطوفان المشاعر الإنسانية لكي يتفجّر، معبّرا عن ذاته بذاته في شتى الاتجاهات، مع عدم نسيان موضوع المعرض أو النسق الدائري الجامع في المشهد الكلي، وإن جاء هذا النسق وهميا أو ممحوّا أو مُهدَرا في الكثير من الأعمال، قتلا للمثالية، وخدشا لقوانين الفرجار ضيقة الأفق.

استعاض التشكيليون عن فلسفة نقطة المركز الثابتة ونقاط المحيط غير المنتهية، بعلاقات أخرى بديلة مخلخلة لمفاهيم الاستواء والمسافة الثابتة بين المركز والنقاط الحدية في الدائرة التقليدية.

وضم المعرض مجموعة من التشكيليين المصريين المنتمين إلى أجيال مختلفة، هم: شريف طاهر، منتصر الخراشي، هاني فوزي، إيمان عبدالرحمن، نهى حنفي، أميرة حسني، خشوع الجوهري، طاهر حمودة، عمر زكي، عمر صديق، فرح الشافعي، محمد خالد عمران، جمال بسيوني.

الفوضى المشروطة

تفكيك دوائر النسيج الآدمي إلى مجموعة من الخيوط )لوحة لأميرة حسني(
تفكيك دوائر النسيج الآدمي إلى مجموعة من الخيوط (لوحة لأميرة حسني)

إلى جانب ما أثبته تفريغ الشكل وتشظيته وهدمه من خواء ودوّامات ومتاهات وانهيارات، فإن أعمالا كثيرة بالمعرض احتفت بالتفاؤل والأمل بعد الإحباط واليأس، وذلك وفق دائرية تلاحُق الأمواج وتتابُع الليل والنهار، فلا يكاد يسود ظلام خارجي ونفسي حتى يتمزّق اكتماله المزعوم بفجر وليد، يظل يكبر وينمو حتى يُعيد ترتيب النثارات المبعثرة بصيغ مغايرة.

في فوضاهم المشروطة، قدّم الفنانون معمارهم الشخصي من منظور تشكيلي يُعيد استثمار البناء الهندسي خارج القواميس، فالدائرة ليست الهيئة الحسية الملموسة بقدر ما تحيل إلى نبضة انفعالية وفكرة ناضجة تتجوّل في الفكر والضمير، وهكذا فإن الحركة الدورانية لا تقود في نهاية المطاف إلى عبث وغموض ولا جدوى وعدمية.

لكنها تستحثّ الهمة وتعزّز الرغبة في التغيير وتعديل الأوضاع، وقد تجلّى ذلك في قدرة الإنسان على مقاومة الأسلاك الشائكة، والانسلاخ من جلده القديم، كما في أعمال شريف طاهر، ومنتصر الخراشي.

وشحن المعماري المخضرم هاني فوزي تكويناته الرصينة ذات الطابع التجسيمي بفيوضات تصوفية تمثل حالات مزاجية ثرية الأحاسيس، وأكسبتها الألوان القوية قدرات إضافية في التعبير، واتصلت لديه الدوائر البصرية القريبة التي تلحظها العين بالدوائر الطبيعية والكونية، بالإضافة إلى الدوائر الداخلية والخفية النابعة من التأمل.

واتكاء على أن الدائرة هي وجه من وجوه انتفاء البداية والنهاية، فقد صوّرت إيمان عبدالرحمن حسين، سيرورة الخطوات البشرية على حافة العالم بلا تراجع ولا سقوط.

وفي سردياتها اللونية، اقترحت خشوع الجوهري يقينها الخاص بتلاقي الأمكنة والأزمنة جميعها في واقع حافل بالخيالات الضبابية والمواقف المتلاشية والأحلام الممتدة فوق أشرطة الخطوط المتقطعة والدوائر غير المغلقة.

طاولة النسبي

الدوائر لا تدور على مقتحمي الأسلاك الشائكة (لوحة لشريف طاهر)
الدوائر لا تدور على مقتحمي الأسلاك الشائكة (لوحة لشريف طاهر)

أولى البعض من الفنانين الخطوط اهتماما أكبر، مع التركيز على علاقتها بالدوائر، وتشابكها بعضها بالبعض، وجسّدت الخطوط بقدراتها الاختزالية التجريدية خصائص البشر وملامحهم ومعاناتهم في تحمّل الأثقال والضغوط المتكرّرة، كما في أعمال فرح الشافعي، في حين بلورتْ نهى حنفي بخطوطها صمت البيوت القابعة في وحشتها، منتظرة ما لا يجيء، وفكّكت أميرة حسني دوائر النسيج الآدمي إلى مجموعة من الخيوط.

انتقلت أعمال المعرض بالدائرة من أغوار المطلق المعقّد إلى طاولة النسبي البسيط، لاسيما في النماذج النحتية التي تعاطت بحرية مع التكوين البشري ككتلة صريحة قابلة للقراءة والتحليل، وهو ما ظهرت تجلياته في مجسمات عمر زكي، وفي بورتريهات عمر صديق، وشخوص محمد خالد عمران وكائناته الأليفة، وهو الذي يرسم حالة من الصفاء، بتقنية تقارب الفن الصيني والياباني، فنرى العصافير على الأغصان والمرأة كجزء من الطبيعة.

وإلى جانب قيمها البصرية والترميزية مفتوحة الدلالات، استردت الدوائر بعض جمالياتها كوحدات وشذرات زخرفية في أعمال جمال بسيوني، التي بدت فيها الإنسانية البكر ومعطيات الطبيعة في حالة توحّد وانسجام، وأيضا في أعمال طاهر حمودة، التي تراقصت فيها الدوائر والحروف العربية والعناصر التراثية في سياقات جديدة.

17