الشكوك تحاصر مشروعا "ثوريا" لمعالجة أزمة اللحوم المصرية

حذّر اقتصاديون من قلة فرص نجاح مبادرة الحكومة المصرية لإحياء مشروع “البتلّو” بعد توقفه لمدة 13 عاما. ورجحوا أن تؤدي لإهدار الموارد دون أن تتمكن من سد فجوة نقص اللحوم التي تعاني منها البلاد. وطالبوا بالبحث عن وسائل مبتكرة للمعالجة بتكاليف منخفضة.
الاثنين 2017/09/25
نافذة إلى حلول معقدة

القاهرة - يخشى خبراء مصريون أن يواجه مشروع تسمين العجول أو ما يسمى محليا بمشروع “البتلو” العثرات التي واجهها من قبل وأدت إلى توقفه.

ويؤكد هؤلاء أن تربية المواشي تخضع لمصالح المربين ولا يمكن التحكم بها من خلال سياسات مركزية حكومية لسد الفجوة الكبيرة في اللحوم.

وأحيت الحكومة هذا المشروع، الذي يرجع تاريخ إطلاقه إلى فترة حكم الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، حيث دشنته وزارة الزراعة في أوائل الستينات من القرن الماضي، ثم بدأ يظهر ويختفي حسب سياسات وتوجهات كل مرحلة.

ورصدت وزارة الزراعة نحو 17 مليون دولار لتشجيع الشباب وأصحاب المزارع على تربية الماشية وتسمينها بهدف سد فجوة استهلاك اللحوم والتي تصل لنحو 60 بالمئة، ما جعل مصر ضمن قائمة أكبر الدول المستوردة للحوم عالميا.

ويقول محمود عبدالمعطي، شاب دخل سوق المواشي حديثا، إن اختفاء لحوم الجاموس الصغيرة وزيادة الطلب عليه، دفعاه إلى دخول مجال البتلو لأن سعر الكيلو منه وصل لحوالي 220 جنيها (نحو 10 دولارات).

وأشار لـ“العرب” إلى أنه لا يزال في خطواته الأولى، ولا يتوقع أن تنخفض أسعار هذا النوع من اللحوم في الفترة الأولى على الأقل، فالكثير من التجار يخشون من التكلفة العالية وصعوبة تسويقها.

وكشف تقرير لوزارة الزراعة واستصلاح الأراضي في مصر عن انخفاض نصيب الفرد من اللحوم الحمراء إلى 7 كيلوغرامات في العام، بمعدل يصل إلى 18 غراما يوميا وهو أقل من متوسط نصيب الفرد عالميًا البالغ 24 غراما يوميا.

وقدرت دراسة للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء اجمالي حجم الإنتاج الحيواني بالبلاد بنحو 965 ألف طن، بينما يبلغ اجمالي الاستهلاك في حدود 1.3 مليون طن سنويا.

وقال نادر نورالدين، خبير الأمن الغذائي في جامعة القاهرة، لـ“العرب” إن “الجدوى الاقتصادية تؤكد عدم التوسع في مشروع “البتلو”، فمصر لا تمتلك مراعيا تعزز من جدوى تربية الحيوانات”.

نادر نورالدين: مشروع لحوم العجول يتعارض مع سياسات الدولة في ترشيد استهلاك المياه

وأوضح أن المشروع ضد سياسة ترشيد المياه، لأن المواشي تتغذى على الأعلاف الخضراء والجافة والذرة وهي مستنزفة للماء، مشيرا إلى أن استهلاك رأس الماشية الواحدة يعادل ريّ فدان أرض زراعية.

وتراجع نصيب الفرد من المياه في مصر من 1500 متر إلى نحو إلى 660 مترا فقط سنويا بسبب تزايد عدد سكان البلاد والذي يصل لنحو 93 مليون نسمة.

وألزمت وزارة الزراعة الشهر الماضي المواطنين بتسجيل الحيوانات التي يمتلكونها بالوحدات البيطرية التابعة لها بهدف حصر الثروة الحيوانية بالبلاد، ومنح المربّين تراخيص لمزاولة النشاط.

وتهدف تلك الخطوة بحسب تصريحات وزير الزراعة المصري عبدالمنعم البنا إلى حصر حجم تلك الثروة للاستفادة منها وتعظيم إنتاجها للمساهمة بشكل عملي في سد الفجوة الغذائية من اللحوم البيضاء والحمراء.

وتؤكد تقديرات الخبراء أن الاستهلاك المتزايد وتربية المواشي تسببا في دخول مصر نادي أكبر الدول المستوردة للقمح في العالم لأن تربية المواشي تتطلب زراعة الأعلاف الخضراء ويضطر المربون لزراعة أكثر من نصف الأراضي الزراعية بالبرسيم في الشتاء لتوفير احتياجات المواشي.

وتأتي زراعة البرسيم على حساب القمح، لأنه من المحاصيل الشتوية، ويهتم المزارع بزراعة أعلاف المواشي قبل الطعام الآدمي لأنها مصدر رزق سخي له وتدر عليه اللبن ومشتقاته بجانب العجول التي يقوم بتربيتها ثم بيعها كلحوم حمراء.

وانتقد خبراء مقاومة الحكومة لزراعة محصول الأرز المفيد للتربة، بالتزامن مع التوسع في مشروعات مثل البتلّو والقطن، وهما أكثر استنزافا للمياه، وبالتالي فإن السياسات الزراعية متضاربة بالبلاد.

ويصل حجم الثروة الحيوانية في البلاد لنحو 8.5 مليون رأس ماشية، ويوفر البنك الزراعي قروضا بفائدة خمسة بالمئة لشجيع المزارعين على تربية الماشية.

وقال السيد القصير رئيس البنك الزراعي المصري لـ“العرب”، “نمنح المواطن قرضاً بنحو 850 دولارا لكل رأس ماشية يقوم بتربيتها”.

ويصل ثمن العجل من نوع الجاموس إلى نحو 1100 دولار، حيث تستغرق تربيته نحو 24 شهرا، أما من نوع البقر فيصل لنحو 850 دولارا تصل فترة تربيته 30 شهراً.

ولفت إبراهيم درويش، أستاذ بكلية الزراعة بجامعة المنوفية شمال القاهرة، إلى أن جدوى مشروع “البتلو” تكون للمؤسسات الكبيرة وليس الأفراد، نتيجة ارتفاع تكاليف التربية لا سيما في ما يتعلق باستيراد الأعلاف الجافة التي يرتفع سعرها من يوم إلى آخر.

وأوضح لـ“العرب”، أن تربية عجل “البتلّو” الواحد يحتاج إلى إنفاق نحو 3 دولارات يوميا، ومن ثم فإن تربيته لا بد أن يأتي في إطار مشروع كبير، يعمل على خفض التكاليف، مقارنة بتربية الأفراد لنحو رأس أو رأسين.

وتسعى الحكومة إلى تشجيع المشروعات التي تحل مشكلات النقص الكبير في اللحوم ولا سيما الحمراء منها، لكن السياسات المتضاربة تقف حائلا دون استكمالها بصورة جيدة.

10