الشكوك تستقبل قرار القاهرة بيع الجنسية للمستثمرين

خبراء مصريون: الدول التي تمعن في منح الجنسية للمستثمرين، مثل قبرص ومالطا وغيرهما لا تواجه مشكلة زيادة سكانية، بالتالي فإن تطويع هذه التجارب لن يحقق طفرات استثمارية للاقتصاد المصري.
الجمعة 2019/06/14
ثمن الجنسية المصرية

استقبلت الأوساط الاقتصادية المصرية قانون بيع الجنسية للأجانب مقابل الاستثمار، بالتشكيك في القرار في بلد مكتظ بالسكان، في وقت ترسم فيه الحكومة توقعات كبيرة لمكاسب العوائد وتعزيز جاذبية مناخ الأعمال للمستثمرين الأجانب.

القاهرة  - حسمت لجنة الدفاع والأمن القومي في البرلمان المصري أخيرا قضية بيع الجنسية مقابل الاستثمار، ووافقت على مشروع قانون أثار جدلا واسعا منذ عدة أشهر.

وأكدت اللجنة عقب اتخاذ القرار أن السماح بمنح الجنسية للمستثمرين الأجانب سوف يعزز التنمية الاقتصادية ويحافظ على مقدرات الدولة ويسهم في تحقيق الأمن القومي.

وحدد مشروع القانون شروط منح الجنسية، وأعطى لرئيس الوزراء سلطة منح الجنسية لكل أجنبي قام بشراء عقار مملوك للدولة أو لغيرها من الشخصيات الاعتبارية العامة، أو إنشاء مشروع استثماري وفقا لأحكام قانون الاستثمار أو إيداع مبلغ مالي بالعملة الأجنبية على النحو الذي يصدر قرار من رئيس الحكومة لتنظيمه.

وبموجب التشريع الجديد يتم تأسيس وحدة بمجلس الوزراء تقوم بفحص طلبات التجنّس المُقدمة، ويصدر بتشكيلها قرار من الحكومة على أن تضم في عضويتها ممثلين عن وزارات الخارجية والداخلية والاستثمار والتعاون الدولي وجهات أمنية معنية.

محمد سامح: منح الجنسية ليس بدعة وهو معمول به في دول مختلفة
محمد سامح: منح الجنسية ليس بدعة وهو معمول به في دول مختلفة

ويتقدم طالب التجنّس إلى مقر الوحدة أو على موقعها الإلكتروني بعد سداد رسوم تصل لنحو 10 آلاف دولار أو ما يعادلها بالعملة المصرية، وتقوم الوحدة بفحص الطلب في موعد أقصاه 3 أشهر من تقديمه مع مراعاة اعتبارات الأمن القومي.

وقالت مصادر لـ”العرب” إن هذا المبلغ هو قيمة طلب الحصول على الجنسية فقط، والقانون أوضح أن منح الجنسية لمن يقيم في البلاد 5 سنوات متصلة ولديه استثمارات لا تقل عن 400 ألف دولار.

ويعادل هذا المبلغ أسعار الوحدات السكنية في العاصمة الإدارية الجديدة، والتي توصف بأنها عاصمة الأثرياء بمصر، كذلك مدينة العلمين الجديدة، الأمر الذي يعزز من تشجيع المستثمرين العرب على شراء الوحدات السكنية التي لا يقبل عليها سوى طبقات بعينها في بلد يعيش ثلث سكانه تحت خط الفقر.

وفي حالة الموافقة المبدئية على طلب رئيس الوزراء يُمنح طالب التجنّس الإقامة المؤقتة في مصر لمدة 6 أشهر لاستكمال الإجراءات والبيانات المطلوبة.

ورغم تناول القضية من منظور اقتصادي خلال حكومة رئيس الوزراء الأسبق إبراهيم محلب، بهدف منح الجنسية للمستثمرين الأجانب للتيسير عليهم، وجباية عملة أجنبية تعزز موارد البلاد، إلا أن التطورات على الإقليمية أضفت عليه صبغة سياسية.

وذهب خبراء استراتيجيون إلى أن الخطوة تطرق أكثر النقاط سخونة، وهي تغيير البنية الديموغرافية للدول العربية التي شهدت صراعات وتوترات خلال السنوات الماضية.

واستقبلت القاهرة خلال السنوات الماضية نحو خمسة ملايين لاجئ من سوريا والعراق وليبيا واليمن، تضاف إليهم حاليا أعداد من السودان لم يتم حصرها بعد.

وتشير التقديرات إلى أن نحو 15 ألف رجل أعمال سوري يعملون في البلاد وتتراوح استثماراتهم بين مليار وملياري دولار.

وتعمل نسبة كبيرة من العراقيين بمصر في مجال الاستثمار العقاري، في المدن الجديدة، خاصة مدينة السادس من أكتوبر بجنوب غرب القاهرة، بينما يعمل السوريون في قطاعي النسيج والوجبات السريعة.

ويفضل الليبيون العمل في المناطق الساحلية مثل الإسكندرية والعلمين ومرسى مطروح القريبة من ليبيا.

وتفيد بعض الإحصائيات بأن نحو 10 بالمئة من اللاجئين في مصر من ميسوري الحال ما يؤهل هذه الشريحة إلى التقدم بطلبات للحصول على الجنسية.

ويصل متوسط عدد طالبي الحصول على الجنسية المصرية في الأحوال العادية قبل تعديل القانون إلى نحو 60 شخصا في العام، ويتم فحص طلباتهم أمنيا لسنوات.

وتمكن هذه الأعداد الحكومة المصرية من جني نحو 5 مليارات دولار من رسوم الجنسية، إلى جانب جلب استثمارات مباشرة لهذه الفئات من خلال إنشاء مشروعات وشراء عقارات، الأمر الذي يساعد على تنشيطها بعدما تباطأت بسبب المغالاة في الأسعار.

ومنح الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر الجنسية لنحو مليون سوري عقب إعلان الوحدة بين البلدين في نهاية الخمسينات من القرن الماضي.

وقال خبراء لـ”العرب” إن ضآلة مبلغ وديعة الجنسية أو شراء العقار يشجع عددا كبيرا من اللاجئين على تلك الخطوة لتوفيق أوضاعهم بدلا من عذاب إجراءات تجديد الإقامة كل ثلاثة أشهر.

أنيس أكليمندوس: تعديل القانون لن يكون حافزا لجذب المستثمرين الأجانب
أنيس أكليمندوس: تعديل القانون لن يكون حافزا لجذب المستثمرين الأجانب

ويكشف قانون الجنسية عن منعطف أكثر سخونة وهو استقرار هذه الفئات بمصر وعدم العودة إلى بلادهم مرة أخرى، في ظل ضبابية الأوضاع السياسية التي تشير إلى أن الصراعات لن تنتهي قريبا، فمصالحهم باتت مرتبطة اقتصاديا بوطنهم الجديد.

وقدّر صندوق النقد الدولي دورة حياة اللاجئين، والتي تصل إلى نحو 11 عاما قبل أن يفكروا مرة أخرى في العودة إلى وطنهم الأم.

وأكد محمد سامح رئيس الاتحاد العربي للاستثمار المباشر وصاحب فكرة منح الجنسية مقابل الاستثمار، أنها ليست بدعة وهي نظام معمول به في مختلف دول العالم، وهناك تجارب ناجحة في كل من أميركا وبريطانيا وتركيا وأستراليا وقبرص ومالطا وإسرائيل والنمسا وروسيا
والمجر.

وأوضح لـ”العرب” أن مالطا جنت نحو 130 مليار يورو خلال عام 2017 من منح الجنسية لنحو 200 ألف أجنبي مقابل 650 ألف يورو للفرد.

ويرى سامح أن مصر تأخرت في تفعيل هذا القانون كثيرا، لكنها بدأت تسير على الطريق الصحيح، ويمكنها جمع نحو 50 مليار دولار من منح جنسيتها للمستثمرين الأجانب والعرب في البلاد، ما يساهم في حل أزمة شح الدولار بمصر.

وأوضح جمال بيومي، أمين عام اتحاد المستثمرين العرب، أن منح الجنسية للمستثمرين يعد من محفزات الاستثمار، فتسهيل الإقامة أمر مهمّ حيثما توجد المشروعات.

وأضاف لـ”العرب” أن أحد أسباب ضعف التجارة البينية العربية يعود لصعوبة الحصول على تأشيرة دخول الدول والإقامة، ومن ثم فإن قوانين تشجيع التجارة والاستثمار تتطلب تسهيلات يجب أن تواكبها مصر.

وفي المقابل، يعتقد فريق آخر أن منح الجنسية لن يشجع المستثمرين على ضخ أموالهم في مصر، ووصف التعديلات التشريعية بأنها تستهدف “جباية من اللاجئين فقط”، وبرهن على ذلك بالمبالغ الضئيلة لشروط الإقامة، سواء رسوم الحصول على الجنسية أو شراء العقارات.

وأشار أنيس أكليمندوس، رئيس غرفة التجارة الأميركية بالقاهرة الأسبق، إلى أن جذب الاستثمارات يحتاج مواجهة للبيروقراطية التي يعاني منها المستثمرون، والتعديلات الجديدة لن تكون حافزا لجذب شرائح جديدة من المستثمرين، وهدفها الاستثمارات الكبرى كثيفة رأس المال.

وقال لـ”العرب” إن “الدول التي تمعن في منح الجنسية للمستثمرين، مثل قبرص ومالطا وغيرهما لا تواجه مشكلة زيادة سكانية، بالتالي فإن تطويع هذه التجارب لن يحقق طفرات استثمارية للاقتصاد المصري”.

طموحات غير واقعية بجني 5 مليارات دولار من تطبيق القرار
طموحات غير واقعية بجني 5 مليارات دولار من تطبيق القرار

 

11