الشك يقتل العلاقات

ثمة حقيقة تغافلنا عنها بوعينا المستيقظ وكامل إرادتنا، لو كنا وجّهنا طاقتنا هذه للحب عوضا عن التدمير والانتقام، لاستطعنا امتلاك حياة أفضل وأكثر سعادة.
السبت 2020/01/25
غابت الحلول

حين تريد زعزعة استقرار أسرة، هدم بيت، تخريب أي علاقة، لا تبذل مجهوداً خرافياً، بل أنت لست مطالبا ببذل أي مجهود على الإطلاق، فقط، أنثر بعض الشك وسط الحقائق، رويدا رويدا تستطيع زيادة جرعة الشك، الآن وقد وصلت إلى مرحلة كبيرة من زرع الشك في النفوس، عليك بإطلاق الأكاذيب، نعم بعض الأكاذيب تفيد كثيراً، بل أكثر ممّا تتوقع.

ما الأخبار؟ مشكلات تجر مشكلات، شيطان خفي يسير بين القلوب، يهمس بخفوت أحيانا، وكثيرا ما يعلو صوته حد الصراخ.

تمام. الجميع ينصت لصوت إبليس، ولا أحد يفكر بعقل رصين. ها قد حان الوقت لقول كل الأكاذيب، لكن بشرط صغير، ألقِ لمسات خفيفة من حقائق وربما مسلمات لكي يقتنع بك الجميع، يصدقك فتصير أكاذيبك، حقائق، وتضيع الحقيقة ذاتها وسط الكلمات.

استمر في زرع مزيد من الشكوك، لوّن الكذبة بحقيقة واهية، رشة خفيفة من كلمات معسولة تضفي بريقاً على الأكاذيب.

هذه الخطة المحكمة تنفذها جهات وكيانات كبرى تمارس الخداع بشكل ممنهج، والأدهى أنه بات ينفذها كثيرون لقتل علاقات نبيلة، علاقة زوجية تفشل، بيوت تهدم، أسر تدمر، صلات أرحام تقطع بلا رحمة وبلا أسباب، ربما يبتعد آباء عن أبنائهم وترفض أمهات احتضان أبنائهن ولو في لحظات الاحتضار والنهاية لأن الشك المزروع قتل الحب وأضاع كل العلاقات.

قد يهجر ابن أمه لأن زوجته الجميلة زرعت في قلبه الشك من ناحيتها، بيد أن العكس هو الأكثر انتشارا في أن يفسد أهل الزوج علاقته بزوجته.

لكن الشر الأكبر الذي يسكننا ونمارسه تجاه أنفسنا هو أن نلعب نحن هذه اللعبة مع ذواتنا المهووسة بالتلصص، نراقب بشك فيؤكده إبليس، تتداعى بعض حقائق، وحين يسكن الشك العقول فإننا نفسر كل التصرفات والحركات واللفتات والهمسات والهمهمات بأنها تخدم تلك الوضعية.

العقل الباطن المشفر على ما زوّدناه به من معلومات صنعناها بأوهامنا يساعدنا على تأكيدها بتلقائية مبدعة، يبتكر كل ما يغذي شكوكنا ويعظمها، نصنع مواقف من تآليف العقل الباطن، أو نرى بعض المواقف العادية وكأنها تفصيل على ما في أذهاننا، فنصدقها ونحزن كثيراً، نبكي بعنف، نخرج طاقات سلبية مدمرة لأنفسنا ومن حولنا، وفي لحظات توتر وغضب وقلق، نتخذ قرارات مصيرية حمقاء تدمرنا.

ثمة حقيقة تغافلنا عنها بوعينا المستيقظ وكامل إرادتنا، لو كنا وجّهنا طاقتنا هذه للحب عوضا عن التدمير والانتقام، لاستطعنا امتلاك حياة أفضل وأكثر سعادة، لو كنا استنسخنا صورا جديدة لأناس يشبهوننا ولكنهم أكثر هدوءا وحلما وعفوية وقدرة على الحب، لحَلّت كثيرا من مشكلاتنا المعلقة على الظروف وتدخل الشيطان، والحقيقة الثابتة أننا نحن من نفتح كل الأبواب على مصراعيها لكافة الشياطين.

أحد أبحاث علم الطاقة يؤكد بأن ما شفرنا عليه عقولنا يحدث لا محالة، فالرجل الذي يتفوه بكلمات عن الطلاق والانفصال كثيرا، ويتخذه أحد خيارات حل مشكلاته، يقع تحت تأثير عمل اللاوعي وينطق بكلمة الطلاق في وقت ما، قد يبرر فعلته بأنها جراء الغضب، التوتر، القلق، لكن الحقيقة الراسخة بأنه لو لم يتخذ هذا الحل كأحد خيارات عقله وظل يفكر فيه طويلا، ما نطق به اللسان.

من أروع ما قال الدكتور أحمد عمارة (أستاذ علم الطاقة) بأن كل ما يحاول الشيطان إيهامنا بأنه لخدمة كرامتنا وكبريائنا، هو في حقيقته لخدمة هذا الشيطان ذاته وليس كما نعتقد، فيوهم الأزواج بأن الطلاق ثأر للكرامة، ويوهم الأبناء بأن البعد عن آبائهم حفاظ على كرامتهم، والحقيقة أنه عقوق وقطيعة، حتى الآباء والأمهات حين يطرد أحدهم الأبناء خارج المنزل جراء موقف قد يحل بالحوار المنطقي والتفاهم، فهو يقنع نفسه بشيء والحقيقة شيء آخر.

21