الشمال السوري بين فكي النصرة وداعش

الأربعاء 2014/11/05

بعد سنوات من الدعم والتسليح اللذين كانت تتلقاهما جبهة ثوار سوريا بقيادة جمال معروف، وتقدُّمها لتيار الاعتدال، بعد إعلان قائدها الشهير القاضي بتنظيم صفوف المقاتلين لمواجهة داعش، هاهي اليوم تجد نفسها في لحظة فاصلة خارج المعادلة، في لعبة توازنات إقليمية ومنازعات دولية في المنطقة التي لا تخضع لسلطة النظام.

لقد عادت جبهة النصرة إلى موئلها الأول، ريف إدلب الذي شهد انطلاقتها، مثلما كان منتجاً لأهم مؤسسات العمل المدني “المجالس المحلية”، وسبّاقاً لمواجهة شاملة مع نظام الأسد منذ انتفاضة السوريين ضد الاستبداد، عبر المجموعات المدنية والعسكرية، التي شكلت نواة الجيش السوري الحر، الذي توّج جمال معروف – لاحقاً – فيه نفسه وريثاً شرعياً..دحرته النصرة، بعد سيطرتها على جبل الزاوية وجوارها، فانفرط عقد جبهته، وانشق مقاتلوه للالتحاق بالمسيطر الجديد.

في هذا السياق، ثمة مسألتان وجبت الإشارة إليهما: أولاهما أن جبهة النصرة شملها قرار مجلس الأمن 2170 وملحقاته، ويفترض أن تتم محاربتها ضمن “استراتيجيات” التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب، بغاية تحجيم قدراتها العسكرية، ومنع خطوط الإمداد عنها، ومنع تمددها أسوة بداعش..فكيف تمكنت النصرة من نقل عملياتها العسكرية بمثل هذه المرونة، من القلمون والحدود اللبنانية، لتخوض معارك طاحنة مع شركائها في القتال ضدّ الأسد.

وثانيهما: أنّ جبهة ثوار سوريا التي كانت تعتبر النواة الأساسية -مع حركة حزم- لقوى الاعتدال التي كان من المفترض أن يتشكل منها الجيش الوطني المقترح، وكان مهيئاً له الانخراط في إعادة التنظيم والتدريب بإشراف أميركي-إقليمي، حيث يكون الذراع البرية للتحالف الدولي ضدّ داعش قد تراجعت نفوذها وقوتها.

هزيمة جمال معروف، بهذه الصورة الدراماتيكية، لا تظهر لنا هشاشة هذة التشكيلات فحسب، بل هي تبين عن عمق الفوضى التي تنخر جسد مؤسسات المعارضة التي يفترض أن تعمل مع هذه التشكيلات على تعزيز بنيتها التنظيمية وقدرتها القتالية، فلا تبقى خارج سيطرة القرار الموحد والمركزي لقوى المعارضة، ولا تبقى مجموعات معزولة عن بعضها البعض، يسهل اصطيادها ودفعها نحو التناحر والتنازع حول أسباب صغيرة. حيث أنّ جبهة ثوار سوريا شهدت تضخيماً لقدراتها وحجمها ودورها، وقد خسرت معركة وادي الضيف أمام نظام الأسد جراء ذلك، في الوقت الذي كانت تتلقى فيه دعماً جيداً من قوى إقليمية عديدة.

لا شك أنّ الصراعات التي تعصف بالقوى المكونة للائتلاف الوطني، بشأن الاستحواذ على سلطة المعارضة وصناعة القرار وتكوين المؤسسات “قيادة الأركان – الحكومة المؤقتة”، قد عكست أثرها المباشر في الاستفادة من الفرص الإقليمية والدولية الجديدة، بما يقود إلى تقوية المعارضة السورية، من حيث “مأسسة” أجهزتها، وإعادة تنظيم ولاءاتها وتحالفاتها وأولوياتها، تأسيساً على المطامح الوطنية. ومازالت الفرصة لم تغلق بابها بعد مع استمرار الحملة العسكرية للتحالف الدولي، وحاجته إلى شريك فعلي على الأرض في سوريا. غير أنّ المعارضة بقيت متشبثة بتناحرها في ما بينها، الذي جعلت منه غير قابل للحلّ، على الرغم من توفر كل الظروف الدافعة إلى إيجاد حل كفيل بإنهاء الصراعات مفاده؛ أن تدعم الولايات المتحدة بشكل خاص، عملية بناء جيش وطني من التجمعات والتشكيلات العسكرية المتناثرة، بمرجعية سياسية وقيادة عسكرية موحدة، خاصّة في هذا الوقت الذي زاد فيه تمدد كلّ من داعش والنصرة، وكذلك تقدم النظام في عدّة محاور. مرة جديدة، تبدو فيها هيئة الأركان والمجلس العسكري، في حالة تتسم بالضعف والعجز عن القيام بدور فعّال يجنّب قواها تبديد قدراتها في غير مواجهة النظام. وهو العجز ذاته الذي أصيبت به من قبل مرتين في الرقة: الأولى ترك الرقة وقت تحريرها دون أيّ دعم أو مساندة لملئ الفراغ، مما أسهم في استباحتها من قبل أحرار الشام والنصرة، والثانية التقاعس عن تقديم الدعم والمساندة لقوى “الجيش الحر” في مواجهة تنظيم داعش، ما أدى إلى استيلاء الدولة على كامل المحافظة، ومن ثم دير الزور وريف حلب.

عموما فإنّ المعارضة السورية بمؤسساتها الأساسية (الائتلاف الوطني، الأركان والحكومة المؤقتة) تتحمل مسؤولياتها عما آلت إليه الأمور في جبل الزاوية، وتبدو هزيمة جبهة ثوار سوريا بمثابة طلقة الرحمة على ما تبقى من “الجيش الحر” الذي لم يستطع حماية نفسه وتراجعت مواجهاته مع النظام لصالح انغماسه في إدارة المناطق التي يسيطر عليها.

ومع هزيمة معروف وما يجري في “كوباني/عين العرب” تبدو أحلام المعارضة السورية في إنشاء منطقة آمنة، بعيدة المنال، فالوضع على الأرض شديد التعقيد، والمصالح الدولية والإقليمية في وادٍ، والمطمح الوطني لقوى الثورة السورية في وادٍ آخر.


كاتب سوري

7