الشمس في بلادي

السبت 2014/06/21

اكتملت حلقة الخوف، فالقلوب الكسيرة والنظرات الحائرة والأحلام المؤجلة صارت معلقة بخيط شفيف بحبال واهية تتأرج مرتابة على حدود القلق والترقب، تلك الحدود التي استبيحت بخنجر مسموم شمالها وشرقها، جنوبها وغربها.

فمن أين سيأتي -هذه المرة- الموت الغريب وما توارت سحبه الداكنة يوماً؟ لكنها أيام أخرى من العذاب الذي نام طويلا وسكن ليله، ليصحو فجرا من أفراد وجماعات ودواعش.

ترى، لماذا يبدو هذا الزائر الجديد مخيفاً؟ ولماذا تنطلق الشائعات المبهمة مثل شرارة ألعاب نارية فتقطع معابر السهول السمر ورمال الصحارى الناعمة وسفوح الجبال الأنيقة ومصبات الأنهار المشاكسة والشلالات الفائرة والجداول الناعسة، دون أن تجد رادعاً، ولماذا يصدق المنجمون وتكذب الوعود؟

يسرق التاريخ بلعنة الماضي ويستباح الحاضر بلعنة التغيير ويقمع المستقبل بلعنة الحلم. وحده الموت، يقف ناصعا مكابرا على مرمى البصر. والموت في هذه الأيام العراقية الكالحة يمكنه أن يرتدي جميع أنواع الأقنعة، كما يمكنه أن يتحدث بجميع اللغات ويتقلد جميع المناصب ويدخل من جميع المنافد والحدود الجغرافية والأخلاقية، لكنه أبداً لن يغادر موطئ وطن ما زال الغدر سكيناً ماضية في جسده، ومازال الظلم وحشا عنيدا يمزق أحشاءه، الوطن الذي ينزف أبناؤه الواحد تلو الآخر منذ الأزل وإلى الأبد من دون أن يرف له أمل.

فكيف سيكون لون الحزن هذه المرة وكيف سيصبح طعم المرارة ولماذا تبدو هكذا البدايات، نهايات بالفطرة كلما بزغت شمس نهار جديد، فالشمس في العراق تشرق حتماً، لتضيء مسار الموت الذي مل الانتظار عاطلاً عن العمل على عتبة الليل. وحين تغدو الحياة غير صالحة للحياة، يقفز الموت سيداً مطلق الصلاحيات في أرض ما زالت تحتضن الأنبياء والأئمة والشهداء والشعراء والحالمين والمتعبين على مضض.

لم تعد السماء بيتاً وسيماً للعصافير وغطاء أمان للصغار، فقد أمست ممراً للجحيم الغاضب الذي يسقط سهواً على رؤوس الأطفال، في جميع الأوقات والاتجاهات، مثل حمم من براكين مجنونة فقدت اتجاهها. ولم يعد مجرى الماء في النهرين العظيمين مجرد خطين متوازيين في كتاب الجغرافيا ورافدين من محبة ومنبعين للخير والحياة، فقد أصبح مدهما وجزرهما ورواحهما وإيابهما وقفاً على إطفاء لهيب الحرائق وغسل الدماء المهدورة على اسفلت الشوارع وتعميد بقايا الموتى وأرواحهم التي لم تحتضن سلامها الأخير، ولم يعد الهواء مسكونا بعطور الجنة ومصبوغا بنسائم عليلة تغازل وجه الكادحين في شوارع الفاقة، فالهواء صار أثيراً زاعقاً ينقل صرخات المظلومين والمعذبين والذاهبين إلى الموت بأحداق معصوبة، من مدينة إلى مدينة ومن دنيا إلى آخرة.

أسفي على السياب العظيم الذي غادر دروب الرحيل وهو يطبق أجفان جرحه على وطن بعيد أدار له ظهره مرغماً، فغادره ولم يغادره.

لا تنم في سلام يا بدر العراقيين الحزين، فالشمس في بلادي لم تعد أجمل من سواها.

20