الشموع تحترق دائما

الاثنين 2014/09/08

أسوأ ما يتعرض له الآباء أن يضعوا ثقتهم في أبنائهم، وينتهي بهم الحال أمام قاض لإثبات صحتهم العقلية، أو ينتهي بأحدهما العمر في دار للمسنين.

أضم صوتي إلى كل من يطالب بضرورة إصدار قانون مصري يعاقب الأبناء في حالة ثبوت عقوقهم لآبائهم، أو التجرؤ عليهم بالإساءة إليهم بأية صورة من صور الإضرار بعد أن تفاقمت ظاهرة العقوق والحجر على الآباء من أجل المال في مصر.

تسارعت إلى ذهني بلا استئذان حكاية قديمة لأم جميلة أعطت بلا مقابل، وابن قضّ أصابع الندم أعواماً بعد رحيل أمه حرقاً.

وأمام جثتها المتفحمة، وقف الابن الطبيب الشاب يبكي ويهذي بكلمات مبهمة. يصرخ بأعلى الصوت فلا يوقظ صوته المتهدج الأم الميتة، ولا جيرانها في المشرحة.

لن يوقظ الصوت أحدا، فقد أحرق الطبيب الشاب أمه هجراً وإهمالاً لمشاعرها المتوسلة له بعدم الرحيل، أحرقها حين أعطته عمرها برضا نفس، وأذابت زهرة شبابها في سنوات عمره التي لم تكن تتعدى الخمس سنوات حين رحل والده تاركاً خلفه أرملة حسناء.

طالبتها العائلة بالزواج عدة مرات فلم تستجب، رفضت عروضاً عدة بالحماية والتحصين- كما قال الأهل- اكتفت بحب صغيرها، ألقت بأحلامها وأمالها في موضع قدمه، كانت له أماً وأباً، مربية ومعلمة، لعبت معه كل الأدوار. اختزلت العالم في عيونه.

كانت الأيام والسنون تجري بهما في سعادة، يخطو الابن خطواته نحو المراهقة، يزداد الشعر النابت فوق شفتيه، ويخط طريقه للوجه البريء. تتحسس الأم ملامحه وقلبها يرقص فرحاً.

تزداد ثقتها في الغد، فقد أثمرت سنوات عمرها بتفوق الابن البار بوالدته والذي لا يعرف للسعادة طعماً إلا حين تفرح هي، وظلاّ لسنوات طويلة كصديقين وفيين. وعلى أعتاب الشباب تعرف الابن على فتاة جميلة رائعة في كل شيء، خاصة وأنها كانت تداعب أمه بحنان قائلة: اليوم أصبح لديك من الأبناء اثنين. وتضحك الأم وهي تقول: لن أخسر ابنا، ولكنني كسبت بنتاً.

وبعد عام واحد من الزواج بمنزل الأم، تمكنت الزوجة الشابة من قلب زوجها، طالبت بالاستقلال بالمنزل دون الأم. توسلت لها الأم بدموع العين، استحلفت الابن بسنوات عمرها التي افترشتها تحت قدميه بأن يبقيها إلى جانبه في أيامها الأخيرة، وألا يتركها عند اقتراب النهاية. لكن الحب الآخر تملك من الطبيب الشاب، سلبته زوجته قلبه، فلم تعد أمه تسكنه، فاصطحب الأم لدار المسنين.

في البداية، كانت زيارته إليها متعاقبة، متواترة بين يوم أو يومين إن كان منشغلاً في بعض العمليات، فالأم متفهمة لطبيعة عمله، ولم لا وهي التي ربّت فيه حب الخير منذ الصغر، وعلمته أن الطب رسالة، وأن تخفيف آلام البشر حروف من الخير يزين بها سنوات عمره.

تباعدت الزيارات وسرعان ما انقطعت، حتى أن مصروفات الدار تأخرت، ثم انقطعت هي الأخرى، وحين هاتفت مديرة الدار الابن الطبيب، ردت زوجته على الهاتف: لن ندفع شيئاً لهذه المرأة، كنا نعطف عليها إلى حين، والظروف تغيرت، لقد رزقنا بطفل هو الأولى بهذه الأموال.

توقفت الكلمات في حلق المديرة وأغلقت الهاتف، واستمرت في استضافة المرأة التي تنكر لها الجميع بعد كل هذا العطاء، ولكن الأم آثرت الوحدة والعزلة.

تركت الدار لمنزل أسرتها المغلق منذ سنوات، استعادت سنوات عمرها كفيلم درامي مأساوي، انقطع التيار الكهربائي –وما أكثر انقطاعه هذه الأيام- أضاءت الشموع وظلت تنظر إليها طويلا كم كانت تشبهها.. تحترق حتى تنير لوحيدها الطريق، كم مرة حرمت عينيها النوم حتى تصل الليل بالنهار عملا من أجل أن توفر له مصاريف الدراسة الجامعية؟

كم رأته بالبالطو الأبيض في أحلامها، وزرعت بداخله حلم أن يصبح طبيباً يخفف آلام المرضى الفقراء. ظلت ساعات وساعات تتذكر حتى غالبها النعاس، احترق المنزل وتفحمت الشمعتان.

21