الشم خوّختْ في السودان

ظن الإسلاميون أنهم بتحالفهم مع الأنظمة القديمة، وابتزازهم لها في لحظات سقوطها، ليصلوا إلى الحكم، إنما يخدعون الماضي والمستقبل.
الجمعة 2019/04/12
عوامل كثيرة دفعت السودانيين للمطالبة بالتغيير

قال الجواهري ذات يوم “يا مزيجا من ألف كون ترفّقْ/ إن كونا على ذراعيكَ أغفى”، وكان يقصد الإنسان وهو يرى نفسه مجرد آلة حية، بينما هو مزيج من الأكوان مجتمعة.

وما يراه المرء اليوم في السودان بعد الجزائر، لا يقول لنا سوى إننا ظلمنا الإنسان العربي طويلا. لكنه يبرهن على أنه بالفعل مزيجٌ من الأكوان تتفاعل وتتغير وتتحول وتتقدم حتى بتدهوراتها وعثراتها.

“الشم خوّخت” جملة شعرية أنستني حين سمعتها أول مرة قبل أكثر من ثلاثين عاما، كل ما عرفته من الشعر السوداني. هي مزيج أيضا، لكنها مزيج من الخيال والدلالات واختزالات اللغة ما بين دارج وفصيح.

يقول الشاعر السوداني الحردلو “الشم خوخت بردَنْ ليالي الحرّه/ والبراق برق من منه جاب القرّه”، ويقول الشارحون إن الشم هو اسم ترخيم للشمس، كما جرت عادة قدامى العرب. أما خوّختْ فتعني أينعت وتغيّرت. وفي المعجم الوسيط نجد أن “الخوخة” هو الرجل المسترخي البطن الكثير اللحم، والكسيل الثقيل والجبان الضعيف. ولعل الحردلو كان يريد المعنيين معا.

الحردلو شاعر بدوي سوداني عاش في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، كان اسمه محمد أحمد أبوسن. ولقبوه بالحردلو لأنه صعب في شعره وفي خياراته كإنسان. عاش في بادية البطانة وبقي شعره خالدا نستعيده في لحظات كهذه. وهو أب ثقافي وجمالي وروحي متفرد للشخصية السودانية.

ترى ماذا كان الباحثون يفعلون خلال العشرات من السنين التي سبقت هذه التحولات العربية؟ ولماذا حين وقعت ردّوها إلى السياسة وحدها؟. وهي رفض عميق وصارخ لكل ما هو قائم. ظن الإسلاميون أنهم بتحالفهم مع الأنظمة القديمة، وابتزازهم لها في لحظات سقوطها، ليصلوا إلى الحكم، إنما يخدعون الماضي والمستقبل معا. لكنهم نسوا أنهم ينتمون إلى الماضي ذاته الذي رفضته الأجيال الجديدة. وظن العلمانيون أنهم بتحالفهم مع الغرب وتحولهم إلى وكلاء له عند شعوبهم، إنما يكسبون حظوة مع الأقوياء، لكن الناس رفضتهم أيضا.

المجتمع وظواهره من الجمال إلى الفوضى، من الرياضة إلى التكنولوجيا، من الشعر إلى الرواية إلى اللوحة، الكفاءات العلمية المرمية جانبا للعطالة، كل هذا سبق الجميع إلى الساحات كي يحدث التغيير.

لكن أليس هذا تحولا في معني كلمة “سياسة” بحد ذاتها؟ ألم يتغير الأمر من مجرد السباق إلى الحكم إلى سباق على “فن العيش”؟ وربما كان لتلك الأمواج التي تهدر في الديار العربية تأثيرات ستأتي مرة تلو المرة لتقدم نفسها بشكل جديد أكثر وعيا مما سبق، إذ يبدو أن الأطراف كلها قد تعلمت الدرس، بعد أن خوخت كل الشموس وانتشر برد الجهل في بلاد الحضارة.

24