الشهادة الجامعية لم تعد مصدر فخر الشباب العربي

بطالة خريجي الجامعات تطيح بقيمة التعليم من أجل تحقيق مستقبل أفضل وتفقد بريق الشهادة الجامعية.
الأحد 2018/06/24
مستقبل غامض

تونس - تعتبر نسب التسرب المدرسي في غالبية الدول العربية ومن بينها تونس في ارتفاع متواصل، وهو ما يحتمل تفسيرات عديدة من أبرزها أن الشاب اليوم لم يعد يعير أهمية قصوى للحصول على شهادة تخرج من الجامعة لأنه يدرك أن مآله سيكون البطالة كسابقيه من حاملي شهائد التعليم العالي.

وعندما يسأل الشباب التونسي عن سبب تركه لمقاعد الدراسة تكون الإجابة تقريبا نفسها حيث يتساءل عن جدوى الحصول على هذه الشهادة طالما أنها لا تضمن الحصول على وظيفة تناسب السنوات التي ينفقها من عمره للحصول عليها وتناسب طموحاته وأحلامه.

وبحسب أرقام معهد الإحصاء حول التشغيل في تونس نجد 612 ألف عاطل عن العمل، من بينهم أكثر من 250 ألفا من أصحاب الشهادات العليا في العام 2017. وتؤكد الأرقام أن نسبة البطالة من خريجي التعليم العالي تبلغ 32 بالمئة، في حين أن معدلات البطالة بالنسبة إلى الذين لم يحصلوا على شهادات دون المعدل الوطني للبطالة، الأمر الذي يحيل على مفارقة مفادها أنه كلما ارتفع المستوى التعليمي كلما ازدادت صعوبة الحصول على عمل.

أصبح الشباب التونسي على دراية من خلال وعيه ومتابعته للشأن السياسي والاقتصادي في البلاد بعد الثورة بأن الشهادة الجامعية ليست الوسيلة الأفضل للحصول على وظيفة تؤمن العيش الكريم.

ويقول الأستاذ الجامعي بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بتونس عمر بالهادي في حديثه لـ”العرب” لم يعد التعليم كما كان في البداية سلما اجتماعيا مضمونا ومتميزا باستثناء نسبة معينة من الأفراد القادرين على دعم حظوظهم في العمل بالوساطة، وذلك في مقابل انفصام متزايد بين عالم التعليم وعالم التشغيل منذ بداية السبعينات.

ويتساءل بالهادي “كيف تريد من الشاب أن يؤمن بالشهائد الجامعية عندما يرى حوله الأعداد الكبيرة والآلاف قبله من الشباب ممن تحصلوا عليها وهم يعانون من بطالة مستمرة تصل به إلى حد الإحباط”.

الشباب لم يعد يؤمن بالتعليم

 

لم يعد الشباب العربي يرى الشهائد الجامعية على أنها مفتاح الوصول إلى تحقيق الأحلام والحصول على وظيفة مرموقة وبالتالي على المكانة الاجتماعية التي يرجوها. وفقدت هذه الشهائد قيمتها الاعتبارية لدى الشباب الذي فقد الحماس للحصول عليها، ويرجع ذلك إلى العديد من الأسباب من بينها ما يتعلق بنظم التعليم العربية وعلاقتها بسوق العمل وما يهم وعي الشباب وطريقة تفكيره ونظرته إلى الشهائد الجامعية.

في غياب منظومة متناسقة تجعل الشاب يتفاعل مع تطور المجتمع في تناغم بين الاقتصاد والقيم مع وجود فوارق كثيرة بين الصورة الذهنية والواقع المعيش يعيش الشاب الإخفاقات والتناقضات بين المنشود والموجود.

ويشير بالهادي إلى التفاوت الكبير والمتزايد بين الطلب والعرض في سوق العمل من حيث الموارد البشرية، حيث تكوّن الجامعة أعدادا من الخريجين تفوق قدرة السوق على استيعابها.

ويتفق الأستاذ والباحث في المعهد العالي للعلوم الإنسانية بجندوبة (شمال غربي تونس) مصطفى مجاجرة مع بالهادي ويقول “بحكم مباشرتي للطلبة أعتقد أن غياب تحمس الشباب للحصول على الشهائد الجامعية يرجع إلى تكدس العاطلين عن العمل من حاملي الشهائد العليا، فالشباب يقول ‘ما الفائدة من مواصلة الدراسة، ففي النهاية سأجد نفسي عاطلا عن العمل’. الحصول على الشهائد لم يعد مغريا، إضافة إلى إفلاس نظام التعليم لأن هناك فرقا شاسعا بين حصيلة الشهائد العلمية ومتطلبات سوق الشغل”.

وترى التلميذة في الثانوية هناء عبادة في حديثها لـ”العرب”، أنه “لم يعد التلميذ يسعى للحصول إلى شهائد عليا لأنها لم تعد تجدي نفعا”، وتشير إلى أن الشباب له من الوعي المعرفي والنضج الفكري ما يخول له تحديد الخطوط العريضة لمستقبله. فالشهادة الجامعية كان من المفروض أن تكفل مستقبل الطالب دون عناء، ولكن الواقع عكس ذلك. الشاب الجامعي أصبح من الصعب عليه إيجاد عمل بينما صاحب الصنعة الذي ترك مقاعد الدراسة أصبح ميسور الحال، ووضعه المادي والاجتماعي أفضل من خريجي الجامعات.

سياسات تشغيل فاشلة

سياسة التشغيل في تونس هشة، وهي ترجمة لسياسات الدولة التي تتجاهل شبابها عوض التركيز على مصالحه، ولا أدل على ذلك من مآسي الهجرة غير الشرعية التي يقدم عليها نسبة هامة من خريجي الجامعات فيكون مصير أغلبهم الضياع أو الموت، بحسب هناء. هذه الفئة من الشباب لم يعد أمامها حلول لمصارعة المستقبل سوى التضحية واللجوء إلى الهجرة لتحقيق العيش الكريم لأن الدولة اليوم لا تهتم لأمرها.

ويقول الشاب نديم الرحايمي، وهو متحصل على شهادة جامعية، “فعلا لم تعد شهادة التخرج الحل لتحقيق النجاح في الحياة”، ويوضح لـ”العرب” أنه بات معروفا اليوم لدى عامة الشعب التونسي أن غالبية الاختصاصات التي تدرس في الجامعات ليست مطلوبة في سوق العمل وغالبية خريجيها يعانون البطالة م. ويضيف “يبدو لي أن الحل يكمن في إصلاح منظومة التعليم من خلال الاعتماد على التكوين المهني والاستثمار فيه مثلما هو الحال في الدول الغربية. وفي تحفيز الشباب وعلى المبادرة بإقامة مشاريع خاصة”.

ولا تمثل وضعية الشباب الذي يعاني من البطالة في تونس استثناء في بلدان المغرب العربي. فالشباب في الجزائر يعيش نفس الوضع تقريبا.

ويرى أستاذ البيداغوجيا في المدرسة العليا للأساتذة بالجزائر رابح الأصقع أن “إشكالية نزوع الشباب بشكل عام إلى غير الشهادات الجامعية كحل لاكتساب مكانة مرموقة في المجتمع، يعود إلى تراكمات أدت مع مرور الوقت إلى تحول كبير في المفاهيم والقيم الاجتماعية، وفي غفلة من النخب الرسمية والأكاديمية سقطت الشهادة الجامعية من قيم وحسابات المعنيين”.

هناء عبادة: الشباب له من الوعي المعرفي والنضج الفكري ما يخول له تحديد الخطوط العريضة لمستقبله
هناء عبادة: الشباب له من الوعي المعرفي والنضج الفكري ما يخول له تحديد الخطوط العريضة لمستقبله

وذكر المتحدث في تصريح لـ”العرب” أن الشهادة الجامعية فقدت بريقها لدى فئات عريضة من المجتمع، وأن الطموحات تغيرت لدى الجيل الجديد، بسبب أزمة القيم والمفاهيم التي رتبت المكاسب والامتيازات المادية والمالية على رأس الاهتمامات الشاملة، خاصة وأن الشهادة الجامعية لم تعد تضمن الرزق فكيف تضمن المكانة الاجتماعية بحسب هؤلاء؟

وتابع “المدرسة تاهت بين تقديم واجبها المعرفي ودورها التربوي، ووجدت نفسها وحيدة في مواجهة الملايين من التلاميذ سنويا، فصارت لغة الأرقام هي الفيصل في تحديد ورسم سياسات الجهات الوصية على القطاع، فالاهتمام منصب على عدد الناجحين والراسبين والمعيدين والمتسربين، وليس على القيمة الحقيقية للفئة التي تنتقل إلى الجامعة، فوجدت نفسها أمام أمر واقع يتم التعاطي معه بنفس الأفكار والتصورات”.

ظروف اقتصادية قاسية

يذهب أستاذ البيداغوجيا رابح الأصقع، إلى أن الظروف الاجتماعية والأزمات الاقتصادية المتواترة وتدني المستوى المعيشي في المجتمع الجزائري كلها ساهمت في تدهور سلم القيم وتغير المفاهيم، فالشهادة التي كانت في الماضي مشروعا تحرص عليه العائلة وتنفذه المدرسة، لأنه السبيل الوحيد لبناء الجيل الجديد، صارت في مؤخرة الاهتمامات.

وفي المغرب ينظر الشباب بنفس طريقة أجواره للشهادة الجامعية ويعتبر الخنشوفي عبدالسلام، أستاذ التعليم العالي بجامعة سيدي محمد بن عبدالله فاس، أن الشهادات الجامعية التي يحصل عليها الشباب في المغرب لم تعد تضمن له الاندماج والترقي السوسيو-اقتصادي، ويعود ذلك إلى أن التكوين لم يعد ينطلق من مشروع مرتبط بالحاجيات المتطورة بشكل متسارع باستمرار لسوق العمل.

وأضاف الخنشوفي لـ”العرب” أن العروض البيداغوجية المعتمدة لا تمكن الشباب من تكوين أساسي ومهني يتيح اكتساب المعرفة والمهارات الكفيلة بالارتقاء بفرص التشغيل والاندماج في سوق الشغل الوطني والدولي.

ويعود تزايد فقدان الشباب المغربي الثقة في الشهادات الجامعية وعدم جدواها، إلى اعتماد منظومة التعليم العالي على مناهج تقليدية تعتمد التقليد ولا تشجع الشباب على الإبداع والابتكار وتنمية روح المبادرة والتفكير النقدي والقيادة لديه ولا تعتمد على بيداغوجيا المشاريع والعمل الحر.

ويقول إدريس الفينة، البروفسور بالمعهد الوطني للإحصاء والاقتصاد التطبيقي بالرباط، لـ”العرب” إن هناك عددا من الأسباب التي تفسر انحصار الحماس في الاستمرار في التعليم العالي لدى الشباب منها بالأساس تكاليف الدراسة والرغبة في تحقيق الذات والوضع الاقتصادي للأسر الذي يدفع الشباب إلى العزوف عن الاستمرار في التعلم لأجل إيجاد عمل لمساعدة الأسرة.

أما الطالب بجامعة محمد الأول بوجدة هيلمي سمير، فيرجع ذلك إلى ضعف الجانب المادي، موضحا أن الكثير من الطلبة في أولى السنوات الجامعية تجده متحمسا لكن مع توالي الأيام يصاب بالإرهاق والتفكير السلبي، مضيفا في تصريح لـ”العرب” أن هدف بعض الطلبة من دخول الجامعة هو إرضاء الوالدين، وهناك من ليست له أي وجهة أخرى غير الجامعة لأن الطالب عندما يحصل على شهادة الباكالوريا بميزة مقبول لن يقبله أي معهد.

وخلص الخنشوفي عبدالسلام إلى أن وضعية الشباب من حاملي الشهادات تستدعي خلق حوار وتعاون مؤسساتي بين جميع الفاعلين في مجال التربية والتكوين والبحث العلمي في المغرب بعيدا عن النظرة القطاعية الضيقة باعتبار القطاع استراتيجيا، يحتاج إلى الرفع من قيمة معايير الجودة والحكامة والمردودية وحجم الناتج الداخلي المخصص للبحث العلمي.

19