الشهيدة (تقى) تختزل محنة العراق

الخميس 2013/12/26

كانت زيارتي ما قبل الأخيرة للعراق قبل سقوط نظام صدام حسين بخمسة أعوام، وتحديدا عام 1998. ما بين ذلك العام حتى نهاية عام 2013، والأخير هو العام الذي زرت فيه العراق مجددا، تغيرت أشياء كثيرة فيه وفي جواره، بل وفي العالم كله أيضا.

لعل أهم وأكبر تغيير حدث في العراق، كما يعلم الجميع، تمثل في سقوط نظام حزب البعث، الذي كان يحكم الناس بالحديد والنار، وأعقبه مباشرة إقامة نظام جديد على أنقاضه، لكنه لا يزال حتى اليوم نظاما غير فاعل في إدارة البلاد، وإشراك المواطنين، ومعالجة الأزمات، وذلك راجع لأسباب عدة ومعقدة في آن، سنأتي على بعضها في السطور القادمة.

كنت أتصور بأن عراق ما بعد صدام، الذي تديره الأغلبية الشيعية بمعية السنة والأكراد، قد تغير كثيرا وأصبح أفضل حالا من سابقه، خصوصا وأنه قد مضى على قيامه قرابة عقد من الزمان {2003 - 2013}. لكن حينما زرت العراق الجديد، في مناسبة أربعينية الإمام الحسين (ع) بداية عام 2013، وجدته في حالة يرثى لها صحيا وخدماتيا واجتماعيا وثقافيا وتنمويا وسياسيا وأمنيا، حيث لا تنمية ولا استقرار ولا أمن، وانعدام شبه تام للنظام والقانون.

تحدثت مع العديد من العراقيين، ومن مختلف الشرائح والتوجهات، لأجد تفسيرا منطقيا ومقنعا حول الأسباب التي لازالت تجعل العراق الجديد يراوح مكانه، رغم وجود حكومة منتخبة وممثلة للجميع مضى عليها عقد كامل من الزمان، فتباينت التفسيرات والمواقف التي سمعتها.

ما هو ملفت بالنسبة لي على الأقل، سماع بعض العراقيين ومن بينهم مسؤولين حكوميين، يلقون باللائمة على حقبة صدام والبعثيين ورفاقهم وبعض دول الجوار، والتدخلات الأجنبية الخارجية، وشبح الإرهاب، الذي أطل برأسه وداهم العراق، فور سقوط نظام صدام مباشرة، ولازال يحصد أرواح العراقيين وغير العراقيين من الزوار الأبرياء، ومن بينهم الطفلة البريئة الشهيدة “تقى” ذات الخمسة أعوام، ويحطّم البنى ويدمر الممتلكات ويسلب العراق أمنه واستقراره. لكن القلة ممن سمعتهم يحملون النظام الحالي مسؤولية الفشل في إدارة البلاد، وتجاوز الأزمات وحل المشكلات القائمة، وبسط الأمن والاستقرار وإعادة هيبة النظام، وحماية دماء الناس وأعراضهم وممتلكاتهم. ولقد كان لافتا للكثير من الزوار، وأنا واحد منهم، سماع بعض العراقيين الشيعة، الذين كانوا ضد النظام السابق، يترحموا على زمن صدام حسين، ليس حبا فيه أو في حزبه قطعا، وإنما تأسفا على الظرف الذي كان يحكم فيه، نظرا لما كان يتمتع به من استقرار ونظام نسبيين.

يرى العديد من العراقيين بأن الأمن الحالي في العراق متدهور وآخذ في الضعف والاتساع أكثر، ودليل ذلك ما يجري يوميا من تفجير وقتل وسلب ونهب في طول البلاد وعرضها، كما أن النظام السياسي القائم لازال هشا وضعيفا، إذ لا قدرة له فعليا على إحداث تنمية حقيقية وحل العديد من مشاكل العراق العويصة والمتعددة سواء القديمة منها أو الجديدة، كما أنه لا يزال غير قادر أيضا على فرض خياراته السياسية إن على الصعيد الداخلي أو الخارجي. وحين نقارن بين حالتي الالتزام بالنظام وبسط القانون واحترامه مثلا، في العراق القديم والعراق الجديد، لا تجد وجها للمقارنة. هذا ما يراه الكثير من العراقيين، لذلك نجد العديد منهم يشعر بالحزن على ظرف المرحلة الماضية، وإن كانت تتسم بالصرامة والشدة والقمع.

السبب في ذلك، هو انعدام الأمن وضعف هيبة القانون وتخلخل النظام، وإن كان ذلك تحت إدارة سلطة منتخبة من الناس. لأنه يؤدي إلى مشاكل عويصة تضر بمصالحهم وتهدد أمنهم واستقرارهم، وقد يدفع البعض منهم إلى تفضيل نظام قادر على ضبط القانون وحفظ النظام ومنع الانفلات الأمني وتسيير مصالح الناس، وإن كان نظاما غير ديمقراطي.

في الوقت الذي لا ينبغي الاستخفاف فيه بكل التحديات التي تواجه العراق الجديد، إلا أن النخبة السياسية الحالية، هي من تتحمل المسؤولية الأكبر عما يجري في البلاد، خصوصا فيما يتعلق بأمن الناس. بالمناسبة بعض المسؤولين السياسيين العراقيين ما زالوا يبررون فشلهم في إدارة البلاد وتجاوز تلك التحديات بذات المبررات التي يرددها البسطاء من الناس.

وهي تبريرات تنمّ عن فشل ذريع للنخبة السياسية وضعف واستمرار في العجز، وسبق أن قلت لبعضهم أن العملية السياسية في العراق لن تتحرك بشكل سليم بعد، لأن الحكومة، وهي المحرك الأساسي لها، لازالت ضعيفة ولا تعمل بالصورة الصحيحة والمطلوبة، وذلك بسبب ثلاث عوامل رئيسية: انشغال أطراف الحكومة بالصراعات البينية، وعدم وجود رؤية توافقية للنهوض بالعراق، وتهميش دور الشعب في المشاركة السياسية الحقيقية.

وفي ظننا أن التحديات التي يرددها العديد من العراقيين، وفي مقدمها الإرهاب الجبان الذي اغتال طفلة الوطن الشهيدة تقى، لن تكون عائقا، متى ما تم معالجة الأسباب الرئيسية. وبعبارة أوضح، حينما تكون الحكومة الحالية قوية وفاعلة ستتلاشى بالتدريج كل المشكلات والعقبات، ولكن حينما تفشل في المعالجة، فإن الأزمات آخذة في الاتساع والتعقيد.

أسف وحزن شريحة واسعة من المواطنين، يعيشون في ظل حكم ديمقراطي، على ظرف كان يُحكمُ فيه الناس بالحديد والنار، من خلال نظام دكتاتوري استبدادي متوحش، يعكس خيبة أمل كبيرة من أولئك الناس للنظام الحالي. صحيح أن الحرية كانت مطلبا أساسيا للشعب العراقي، لكنها بدون هيبة للنظام وأمن واستقرار، هي حرية منقوصة وليست ذات قيمة.

إن الحرية التي سعى لأجلها العراقيون منذ زمن طويل، هي ليست تلك التي يريد من خلالها الشعب التعبير عن رأيه أو ممارسة معتقده وطقوسه بحرية تامة فقط، وإنما هي تلك التي يريد من خلالها فرض إرادته وخياراته السياسية في صناعة حاضره ومستقبله وبسط أمنه وتعزيز استقراره، وتنمية بلده والحفاظ على دماء الناس وكرامتهم. وهذا لن يتم إلا من خلال حكومة وطنية توافقية مسؤولة وفاعلة يشارك فيها الشعب مشاركة حقيقية وليست صورية، ليعالج من خلالها كل أشكال الفساد ويضع حدا للإرهاب ومسلسل الدمار ونزف شلال الدماء.

رحم الله شهيدة الوطن الطفلة البريئة تقى الجشي ضحية الإرهاب الغادر والنظام الهش، وألهم أهلها وذويها الصبر والسلوان، ودعواتنا لوالدتها بالشفاء العاجل.


كاتب وباحث في علم الاجتماع السياسي

8