الشوارع الفلسطينية والعربية تنتفض على وعد ترامب

شكلت المظاهرات العارمة التي شهدتها عواصم ومدن فلسطينية وعربية رسالة قوية للولايات المتحدة بأن القرار الذي اتخذه رئيسها دونالد ترامب بشأن القدس وإن كان حقق هدفا فهو استعداء الشعوب العربية.
السبت 2017/12/09
بصوت واحد: القدس فلسطينية

القدس - غصت الشوارع والساحات في الأراضي الفلسطينية كما في العديد من الدول العربية والإسلامية بالآلاف من المتظاهرين، عقب صلاة الجمعة، للاحتجاج على إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب الصادم الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل.

وتأتي هذه المسيرات الاحتجاجية وسط مساعي الدبلوماسية الأميركية التخفيف من وطأة الإعلان المدوي حيث جدد وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون تأكيده خلال مؤتمر مجموعة دعم لبنان أن القرار النهائي بشأن وضع القدس سيعتمد على المفاوضات بين الإسرائيليين والفلسطينيين بما في ذلك ترسيم حدود المدينة، وأن أمر نقل السفارة الأميركية إلى المدينة قد يستغرق عامين.

ويستعد نائب الرئيس الأميركي مايك بنس لزيارة إلى المنطقة، تقوده إلى كل من مصر والأراضي الفلسطينية والأردن. وأعلنت مشيخة الأزهر رفضها استقبال بنس، وسبقتها في ذلك السلطة الفلسطينية التي قالت إنه غير مرحب به.

وترى السلطة أن استقبال مبعوث ترامب سيشكل إحراجا كبيرا بالنسبة لها خاصة في ظل الأوضاع الحالية.

مختار جمعة: المساس بالقدس مسجدا أو مدينة يغذي العنصرية والتطرف والإرهاب

وسقط في قطاع غزة قتيل فلسطيني خلال مسيرة احتجاجية سرعان ما تحولت إلى مواجهات مع قوات الاحتلال الإسرائيلي. وقالت مصادر طبية فلسطينية “استشهد الشاب محمود المصري (30 عاما) برصاص قوات الاحتلال في المواجهات شرق خان يونس”. وكان الجيش الإسرائيلي أكد أنه أطلق النار على رجلين على الحدود مع غزة قائلا إنهما “المحرضان الرئيسيان” على الاحتجاجات.

وفي وقت سابق دعت حركة حماس التي تسيطر عمليا على قطاع غزة إلى انتفاضة جديدة على غرار الانتفاضة الأولى (1987 - 1993) والانتفاضة الثانية (2000 - 2005) اللتين أسفرتا عن مقتل الآلاف من الفلسطينيين.

وفي القدس الشرقية ومع انتهاء صلاة الجمعة في المسجد الأقصى شق المصلون طريقهم صوب أبواب البلدة القديمة ورددوا هتافات “القدس لنا.. القدس عاصمتنا” و“ما بدنا (لا نريد) كلام فاضي (خاوي) بدنا كلاشنيكوف (سلاح)”. ووقعت بعض المواجهات بين المحتجين والشرطة، وفق شهود عيان.

وفي الضفة الغربية تظاهر الآلاف من الفلسطينيين، بيد أن قوات الاحتلال وكما هو متوقع تعاملت بعنف مع المسيرة، عبر استخدامها للرصاص المطاطي، وقنابل الغاز المسيلة للدموع، ما أدى إلى إصابة 217 شخصا، معظمهم بحالة اختناق.

وأثار إعلان ترامب مساء الأربعاء القدس عاصمة لإسرائيل غضب العالم العربي واستياء حلفاء غربيين وصفوا الخطوة بالانفرادية وغير الصائبة، حيث كان من المفروض أن يتم بحث مسألة القدس ضمن مفاوضات شاملة بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

وسبق وأن تعهد الرئيس الأميركي الذي يصفه خصومه بالمهووس بـ“الشو الإعلامي” خلال حملته الانتخابية بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل سفارة بلاده إليها.

ورأى سيد البيت الأبيض في معرض إعلانه عن قراره أن هذه الخطوة تأخرت كثيرا، وأن الرؤساء السابقين لم تكن لديهم الجرأة الكافية على اتخاذها.

ويقول العديد من المسؤولين الفلسطينيين والعرب إن قرار ترامب الذي يعكس في واقع الأمر انحيازا غير مسبوق في تاريخ الولايات المتحدة الأميركية لإسرائيل، ضربة ناسفة لجهود السلام، وأيضا إعلان نهاية واشنطن كوسيط نزيه يمكن الاتكال عليه.

وصرح أحمد المجدلاني، عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، أن القيادة الفلسطينية تسعى اليوم إلى إيجاد “رعاية دولية شاملة” لهذه العملية، بديلا عن الرعاية الأميركية “المنفردة والمنحازة”.

وأضاف المجدلاني أن “اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير ستعقد في مقر الرئاسة السبت اجتماعا برئاسة الرئيس (الفلسطيني) محمود عباس لبحث القرار الأميركي بشأن القدس وسبل التعامل معه”.

ويتمسك الفلسطينيون بالقدس الشرقية عاصمة لدولتهم المأمولة، استنادا إلى قرارات المجتمع الدولي.

وأوضح أن “اللجنة التنفيذية ستناقش الخطة الفلسطينية للمرحلة القادمة، وأن إدارة ترامب فقدت أهليتها للعب دور راع لعملية السلام”. ويمثل وضع القدس أكبر عقبة أمام التوصل إلى اتفاق سلام بين إسرائيل والفلسطينيين مع تعاقب أجيال. وتصر إسرائيل على أن القدس بأكملها عاصمة لها، فيما يتمسك الفلسطينيون بالقسم الشرقي منها عاصمة لدولة مستقبلية لهم.

وتعتبر معظم الدول القدس الشرقية التي استولت عليها إسرائيل في حرب عام 1967 وضمتها إليها، أرضا محتلة بما في ذلك البلدة القديمة التي تضم مواقع مقدسة عند المسلمين واليهود والمسيحيين على السواء.

وعلى مدى عقود أحجمت واشنطن مثل غالبية المجتمع الدولي عن الاعتراف رسميا بالقدس عاصمة لإسرائيل (رغم وجود قرار من الكونغرس) معتبرة أن تحديد وضعها يجب أن يكون جزءا من عملية سلام فلسطينية إسرائيلية. ولا توجد أي سفارات لدول أخرى في القدس.

وتذرع ترامب بإعلانه القدس عاصمة لإسرائيل بأن عملية السلام باتت في النزع الأخير وأنه لا بد من إحداث “صدمة إيجابية”، بيد أن محللين يرون أن هذا الإعلان أتى على عكس توقعات الإدارة الأميركية التي فقدت على ما يبدو مصدقيتها ليس فقط في الوطن العربي بل في العالم أجمع.

عاطف الطراونة: القدس ليست سلعة أميركية تهدى إلى المتطرف بنيامين نتنياهو

ويرى مراقبون أن الإدارة الأميركية وإن كانت نجحت في تحقيق هدف من خلال إعلانها القدس عاصمة لإسرائيل فهو استعداء الشعوب العربية لها.

وشهدت العديد من العواصم والمدن العربية مسيرات حاشدة، دعت إليها منظمات نقابية وقوى وطنية، للتعبير عن رفضها للخطوة الأميركية غير محسوبة العواقب.

وتظاهر الآلاف من الأردنيين الجمعة في عمان ومدن أخرى مثل الزرقاء (شرق)، ومأرب (شمال) ومأدبا (جنوب)، والكرك (جنوب) وجرش، ومعان (جنوب).

وشارك أكثر من 20 ألف شخص في تظاهرة انطلقت عقب صلاة الجمعة من أمام المسجد الحسيني الكبير (وسط عمان) وسط شعارات منددة بقرار ترامب، وحمل المشاركون لافتات تحوي صورة العلم الأميركي والعلم الإسرائيلي وكتب عليها “إلى الجحيم”، وأخرى كتب عليها “أميركا رأس الإرهاب” و“القدس عاصمة فلسطين شاء من شاء وأبى من أبى”.

وقال رئيس مجلس النواب عاطف الطراونة الذي شارك في التظاهرة إلى جانب عدد من النواب “هذا قرار جائر وظالم من ترامب ويخالف الشرعية الدولية والقانون الدولي”.

وأضاف “القدس ليست سلعة أميركية حتى يهديها إلى المتطرف بنيامين نتنياهو”. وشدد على أن “الأردن سيعيد النظر في معاهدة السلام وجميع المعاهدات لأننا أصحاب حق، والقدس هي جوهرة السلام وقلب فلسطين”.

ويرتبط الأردن بمعاهد سلام مع إسرائيل منذ عام 1994، وتعترف تل أبيب بموجب المعاهدة بإشراف المملكة الأردنية على المقدسات الإسلامية في القدس.

وكانت القدس الشرقية تتبع المملكة إداريا قبل أن تحتلها إسرائيل عام 1967. وشكل اعتراف ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل إحراجا كبيرا للأردن الذي يعتبر أحد حلفاء واشنطن الاستراتيجيين في المنطقة، وسبق وأن لعب العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني دورا في إقناع ترامب بالتراجع عن هـذا القرار.

وقرار ترامب لم يحرج فقط الأردن أو السلطة الفلسطينية بل وأيضا مصر التي شهدت الجمعة عاصمتها القاهرة والعديد من مدنها مسيرات احتجاجية ضخمة، رغم قانون التظاهر الساري منذ أكثر من أربع سنوات.

وخرج الآلاف من المصلين من مساجد في محافظات القاهرة والجيزة والإسكندرية والمنيا وغيرها، عقب صلاة الجمعة، وحمل مصلون لافتات كُتب عليها “القدس عربية.. القدس فلسطينية”، و“يسقط ترامب”.

وأكد مختار جمعة وزير الأوقاف في خطبته بمسجد الحسين، وسط القاهرة، أن “المساس بالقدس مسجدا أو مدينة يغذي العنصرية والتطرف والإرهاب”.

وقال “الكيان الصهيوني يحاول بسط سيادته على القدس والتمدد في أراضيها، وهو ما يدفع إلى الجنوح نحو تطرف لا يمكن أن يقف خطره عند حدود منطقتنا”.

ووصف عباس شومان، وكيل الأزهر، في خطبته التي ألقاها من مسجد الأزهر، قرار ترامب بأنه “باطل قانونا، ولا يراعي الأعراف الدولية”. المسيرات الغاضبة طالت أيضا دولا عربية وإسلامية أخرى ومنها المغرب والجزائر وتونس ولبنان، وباكستان وإندونيسيا وتركيا.

وفي تحد للوضع الأمني في بلادهم خرج أيضا المئات من السوريين في أكثر من مدينة وخاصة في حلب (شمال) وإدلب (شمال غرب) منددين بالخطوة الأميركية، كما تظاهر المئات من العراقيين في مدينة الصدر في شرق العاصمة، بعدما أقاموا صلاة الجمعة في الشارع، بمشاركة السفير الفلسطيني لدى العراق أحمد عقل.

ويقول متابعون إن قرار ترامب وحد الشعوب العربية التي شهدت خلال السنوات الأخيرة انقساما حادا جراء ما سمي بـ“الربيع العربي”، وأن موجة الاحتجاجات الهائلة التي حملت عداء واضحا لواشنطن جراء انحيازها غير العادل للإسرائيليين من المفروض أن تدفعها إلى إعادة النظر في سياساتها بالمنطقة، ولكن يبدو هذا صعبا (في حضرة ترامب).

2